فهرس الكتاب
يجذب إليه الأفكار والمذاهب المتناثرة كالشظايا الناتجة عن لاهوت بولس بسبب الخلفية الفكرية اليهودية أو اليونانية للإسكندرية ومركز المدينة الثقافي والفكري الذي يفوق مركز روما العاصمة. كل هذه العوامل جعل الإسكندرية هى الأنسب في مرحلة التشكيل الفكري والوجداني للمسيحية كديانة مستقلة وليس مجرد مذهب يهودي كما كانت في أورشليم. ويمكننا القول بكل ثقة أن الإسكندرية هى منبع الديانة المسيحية ونبيها بولس كما كانت أورشليم منبع الديانة الناصرية ونبيها المسيح.
كان أول أثار الانتقال هو استخدام الفلسفة وهى اللغة العقلية القابلة للجدل والمناظرة السائدة في الإسكندرية بديلا عن لغة الروحانيات التي استخدمت في أورشليم. يخطئ من يعتقد أن علاقة المسيحية بالفلسفة بدأت مع الإسكندرية ومدرستها وبالنظرة المتعمقة يتضح أنها بدأت قبل ذلك مع بولس وإن كانت في تأثيرها المبكر غير واضحة للجميع. بدأ ذلك التأثير عندما حاول بولس حل المعضلة الثانية التي واجهها عند دعوة الأمم والخاصة بتعريف الإله. فبعد انفصاله عن كنيسة أورشليم ووصوله لحل لمعضلة تطبيق الناموس على الأمم من جهة نظره, فبسبب أرائه الفلسفية الغامضة انتهى إلى عدم تطبيق الناموس على الجميع اليهود والأمم. والآن عليه أن يوجد تعريف للإله مخالف لتعريف اليهودية الذي تدين به كنيسة أورشليم. لم يجد بولس إلا أن يستفيد من خلفيته المتصلة بالفلسفة اليونانية في مسقط رأسه (طرسوس) حتى يوجِد الإله اليوناني بديلًا عن الإله اليهودي [من حقنا أن نعتقد أن بعض المبادئ الدينية والأخلاقية الرواقية انتقلت من البيئة المدرسية في طرسوس إلى مسيحية بولس. فهو يستعمل اللفظ الرواقي (نيوما) أي النفس للدلالة على المعنى الذي يستعمل فيه مترجموه الإنجليز لفظ (الروح) . وكان في طرسوس كما كان في معظم المدن اليونانية أتباع للأرقية وغيرها من العقائد الخفية, يعتقدون أن الله الذي يعبدونه قد مات من أجلهم, ثم قام من قبره, وإنه إذا دعى بإيمان حق, وصحب الدعاء والطقوس الصحيحة استجاب لهم وأنجاهم من الجحيم, وأشركهم معه في موهبة الحياة الخالدة المباركة. وهذه الأديان الغامضة الخفية هى التي أعدت اليونان لاستقبال بولس, وأعدت بولس لدعوة اليونان] [1] .
وظهر التأثير أكثر وضوحًا عندما أخذ بولس مصطلح (اللوجوس) أو (الكلمة) والذي اعتقد أنه سوف يحل معضلته الثالثة وهى إيجاد تفسير مقنع للأمم عن سبب ميلاد المسيح بدون أب وكان هذا المصطلح واضح وجلي في فاتحة إنجيل يوحنا [في البدء كان الكلمة, والكلمة كان عند الله, وكان الكلمة الله, هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان, وبغيره لم يكن شيء مما كان. فيه كانت الحياة, والحياة كانت نور الناس, والنور يضئ في الظلمة, والظلمة لم تدركه (يوحنا 1: 1 - 5) ] . واستمر هذا التأثير في كل إنجيل يوحنا[إذا كان يوحنا قد عاش مدى جيلين في بيئة هلنستية فقد بذل جهده لكي يصبغ بالصبغة اليونانية العقيدة الصوفية اليهودية القائلة بأن حكمة الله كانت شيئًا حيًا. والعقيدة المسيحية القائلة بأن عيسى هو المسيح المنتظر, كما أحس من قبل (فيلون) العالم المتضلع في البحوث العقلية اليونانية بالحاجة إلى صياغة العقائد اليهودية من جديد كي توائم عقلية اليونان ذوي النزعة الفلسفية.
وقد واصل يوحنا, عرف أو لم بعرف, ما بدأه بولس من فصل المسيحية عن اليهودية فلم يعرض المسيح على العالم - كما كان يعرض عليه من قبل - بوصفه يهوديًا يلتزم الشريعة اليهودية إلى حد ما - قلّ ذلك أو كثر - بل أنطقه في خطابه لليهود بقوله: (أنتم) وبحديثه عن الناموس بقوله: (ناموسكم) . ولم يكن (مسيحًا منتظرًا) أرسل لينجي خراف إسرائيل الضالة, بل كان ابن الله الخالد معه, ولم يكن المحكّم بين الناس في المستقبل فحسب, بل كان هو الخالق الأول للكون. فإذا نظرنا إلى المسيح هذه النظرة, كان في وسعنا أن نغفل إلى حد ما حياة الرجل يسوع اليهودية إذ نراها تذوي ويذهب سناها كما يذهب عند الطائفة اللاأدرية غير المؤمنة أما فكرة المسيح الإله فقد هضمتها وامتصتها تقاليد العقل الهلسنتي البديهية والفلسفية, ومن ثم كان في وسع العالم الوثني - بل في وسع العالم المضاد للسامية أن يحتضنها ويرضى بها] [2] .
هنا نقف لنتسأل هل انتقل يوحنا إلى مذهب بولس وكنيسة الأمم وتأثر بفكره أم أن الإنجيل المنسوب له والذي يحمل اسمه تم تدوينه في زمن تالي متأثرا بالفكر البولسي اليوناني ولم يدونه يوحنا نفسه. لكن مهما كانت الإجابة تبقى الصلة بين المسيحية والفلسفة اليونانية من زمن بولس والاختلاف الوحيد أنها أخذت في البروز مع بروز مسيحية الأمم وازدادت كلما ارتبط مصير المسيحية بالشعوب الوثنية وتوغلت في مناخها الفكري والثقافي وهذا ما تجسد في الإسكندرية وكان من نتائج انتقال المسيحية من غرب المتوسط إلى شرقه.
(1) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.
(2) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.