فهرس الكتاب
[خلافًا لكثيرين من أباء هذا العصر الذين حاربوا الفلسفة واعتبروها مضادة للدين, اتخذت مدرسة الإسكندرية موقفًا إيجابيًا منها. ورأت فيها جزءًا من الحقيقة النابعة من نور الكلمة الذي يضئ كل إنسان آت إلى العالم. وهكذا استطاع أساتذتها الكبار التعمق في الفكر الفلسفي واستمالة الفلاسفة إليهم حتى يصلوا بهم إلى معرفة الحق الكامل, وهو الرب يسوع. وهكذا تمت المصالحة بين المسيحية والفلسفة وصارت الفلسفة خادمة للدين.
لكي تدخل مدرسة الإسكندرية الفلاسفة إلى نور الإنجيل, استعملت منهج التفسير الرمزي - في شرح الكتاب المقدس - ولم تكتفي بالمعنى الحرفي الذي وقفت عنده المدرسة الأنطاكية, بل أرادت أن تتعداه, فتكشف المعنى الروحي العميق وراء سطور الكتاب, وتجد حقائق كثيرًا ما كانت تتفق مع حقائق الفلسفة. وكان هذا الأسلوب متبعًا عند الفلاسفة اليونانيين في تفسير أساطيرهم الدينية. كما استعمله (فيلون) العلامة اليهودي في شرح التوراة. وقد تبنى المنكرون المسيحيون هذا المنهج التفسيري, حاسبين أن التفسير الحرفي في حالات كثيرة لا يليق بالله وقد يؤدي إلى المادية ولا يقبله الفلاسفة. وقد وجدوا سندًا لهم في الرسول بولس (غلا 4: 24 - 26) (وفي ذلك رمز لأن هاتين المرأتين(سارة وهاجر) هما العهدان: أحدهما من طور سيناء بلد لليهودية وهو "هاجر". أما أورشليم العليا فحرة فهى أمنا) (راجع 1كو 10: 4) . وفي أقوال السيد المسيح نفسه: (وكما رفع موسى الحية في البرية, هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان) (يو 3: 14) .
أرادت مدرسة الإسكندرية أن تحارب الغنوصية [1] المنحرفة بغنوصية حقيقية تجذب العقول المفكرة. لا تكتفي بالإيمان البسيط الضروري لكل مسيحي بل تعمل على تكوين المسيحي الكامل الذي يتعمق في الإيمان ويصل إلى التأمل في الروحيات. وهو علم مقدم للجميع ليس فقط لخاصة متميزة, ويستند على الإيمان وعلى نعمة الله أكثر من الاستناد على العقل وحده الذي يعجز عن أن يمنح الإنسان الخلاص] [2] .
هكذا تقدمت المسيحية خطوات نحو الفلسفة اليونانية الوثنية في الوقت الذي تقدمت أيضًا الفلسفة اليونانية الوثنية خطوات نحو الشرق ومعتقداته الروحانية. فبعد سقوط الحضارة اليونانية وبقاء الفلسفة والفكر اليوناني رمزًا لهذه الحضارة وفقدت الفلسفة اليونانية كبرياءها واستعلائها المدعوم بقوة الإمبراطورية اليونانية. ولكي تستمر في الوجود كان لابد أن تتواضع مع المعتقدات والأديان في البلاد التي كانت تسيطر عليها, فأخذت منها وأعطتها, وأصبحت آلهة اليونان ومعتقداتها في مرتبة (إيزيس) المصرية وغيرها من معتقدات المصريين وأفكارهم بل اختلطت الرموز الفلسفية بين الطرفين حيث نجد اسما يونانيًا والأصل مصري أو الأصل يوناني والخلفية الفكرية مصرية والعكس فظهر إلى الوجود الفلسفة اليونانية المتمصرة الروحانية أو الفكر المصري المتأغرق العقلاني. وأكثر ممثل لهذه الفلسفة المختلطة هو (أفلوطينس) .
[كانت الفلسفة في ذلك الوقت تتخلى عن تفسير التجارب الحسية التي هى ميدان العلوم الطبيعية, وتوجه همها كله إلى دراسة العالم غير المنظور. وأنشأ الفيثاغريون الجدد والأفلاطونيون الجدد من نظرية فيثاغورس في تناسخ الأرواح, وأراء أفلاطون في الأفكار الإلهية, نظامًا من الزهد أرادوا به أن يقوّوا الإدراك الروحي بإماتة الحواس الجسمية, وأن يعودوا بتطهير أنفسهم إلى الصعود الدَّرج التي انحطت بها الروح من عالم السموات وسكنت في جسم الإنسان.
وكان (أفلوطينس) أكبر الممثلين لهذه الفلسفة الدينية الصوفية, وكان مولود في (ليفوبوليس) عام 203م, أي إنه كان قبطيًا مصريًا ذا اسم روماني وتربية يونانية. وعثر على الفلسفة في سن الثامنة والعشرين, وأخذ يتنقل من معلم إلى معلم دون أن يجد في أحد منهم بغيته حتى
(1) الغنوصية: هى المعرفة العقلية.
(2) تاريخ الأقباط الكاثوليك - موقع كنيسة الإسكندرية الكاثوليكي.