فهرس الكتاب
وجد طلبته في الإسكندرية فقد كان فيها وقتئذ (أمونيوس سكاس) وهو رجل مسيحي ارتد إلى الوثنية, وكان يحاول التوفيق بين المسيحية والأفلاطونية, كما فعل تلميذه أرجن من بعده] [1] .
أي أن المحاولات بدأت سابقًا ومنذ خروج المسيحية من العباءة اليهودية لإيجاد علاقة ما بين المسيحية والفلسفة بعد أن وضع بولس حجر الأساس لهذه العلاقة فكانت المحاولات في البدء فردية ولكن بنّاءة حتى تحولت إلى عمل جماعي منظم أتم البناء بأكمله.
[لقد كان أفلوطينس ذا نزعة مثالية يعترف متفضلًا بوجود المادة, لكنه يقول أن المادة في حد ذاتها هى إمكانية الشكل غير المتشكلة, وكل شكل تتخذه المادة تعطيه إياها طاقتها الداخلية أي النفس, والطبيعة هى مجموع الطاقة أو النفس التي تنتج كلية الأشكال في العالم, والحقيقة الدنيا لا تنتج الحقيقة العليا, أما الكائن الأعلى وهو النفس فينتج الأدنى, الصورة المجسدة. ونمو الإنسان الفرد من بداية خلقه في الرحم وتكوّن أعضائه البطيء عضوًا بعد عضو حتى يكتمل نموه من عمل النفس أو المبدأ الحيوي الذي فيه, والجسم يتشكل تدريجًا بتوقان النفس أو توجيهها. ولكل شيء نفس - أي طاقة داخلية - هى التي تخلق الصورة الخارجية, وليست المادة خبيثة إلا لأنها لم تتلق الصورة الناضجة, فهى تطور وَقف دون الكمال, والشر هو إمكانية الخير.
ولسنا نعرف المادة إلا عن طريق الفكر - عن طريق الإحساس, والإدراك والتفكير - وليس ما تسميه مادة إلا مجموعة من الأفكار, وهى أكثر ما تكون شيء افتراضي مراوغ يضغط على أطراف أعصابنا؟ وليست الأفكار شيئًا ماديًا, ما من شك في أن فكرة الامتداد في المكان لا تنطبق عليها, والقدرة على تحصيل الأفكار واستخدامها هى العقل, وهو قمة الثالوث البشري المكون من الجسم, والنفس, والعقل. والعقل مقدار محدد من حيث اعتماده على الإحساس, وهو حر لأنه أرقى صور النفس المبدعة المشكلة] [2] .
[ولكن ما هو الإله؟ يقول (أفلوطينس) إنه (هو) أيضًا ثالوث - من الوحدة والفكر والنفس, و (من وراء الكائن يوجد الواحد) ] [3] .
[إنا لنحس في هذه الفلسفة بما نحس به في المسيحية المعاصرة لها من جو روحاني - نحس بابتعاد العقول الغضة عن مطالب الحياة الدنيوية واتجاهها نحو الدين, وفرارها من الدولة إلى الله. وليس بعجيب أن يكون (أفلوطينس) و (أرجن) تلميذين زميلين وصديقين, وأن ينشئ (كلمنت) أفلاطونية مسيحية في الإسكندرية و (أفلوطينس) هو آخر الفلاسفة الوثنيين العظام, وهو مسيحي بلا مسيح] [4] .
كانت مدرسة الإسكندرية هى نتاج هذا التلاقي بعد تقدم المسيحية خطوات نحو الفلسفة العقلية وخطوات الفلسفة نحو الروحانيات والدين وأنجب هذا التلاقي المسيحية في صورتها النهائية التي غرقت في الوثنية وكانت مدرسة الإسكندرية هى الأم التي أنجبتها والتي حاولت تمسيح الوثنية فوثنت المسيحية.
[عندما حضر مارمرقس إلى مصر كانت الإسكندرية مركزًا هامًا للثقافة الوثنية, وفي مدرستها الوثنية ومكتبتها الشهيرة تخرج كثير من الفلاسفة والعلماء - فكان لابد أن يقيم مدرسة لاهوتية لتثبيت الناس في الدين وترد على أفكار الوثنيين وكن مارمرقس نفسه وحسب ثقافته باللغات العبرية واللاتينية واليونانية أدرك مقدار خطر الفكر الوثني وهكذا أنشأ مدرسة لاهوتية مسيحية في الإسكندرية عيّن لرئاستها العلامة (يسطس) .
(1) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.
(2) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.
(3) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.
(4) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.