الصفحة 52 من 372

4 -قيام هذه المدرسة أعطى إمكانية الحصول على التعليم الذي تقدمه المدرسة الوثنية العظمى لكن بواسطة معلمين مسيحيين] [1] .

كانت مدرسة الإسكندرية منعطف هام في المسيحية فقد حولت المبادرات الفردية إلى عمل جماعي منظم أصبح قادر أن يكون له تأثير كبير واضح في الرد على الوثنيين والدعوة إلى المسيحية وجذب الكثير إليها. وأنجبت رجال عظام كان لهم أكبر الأثر على الوثنية والأهم على المسيحية.

[إكليمندس (150 - 214م) .

إن كان القديس (ينيتنوس) أول من اشتهر في المدرسة الإسكندرية إلا إنه لم يترك لنا كتبًا يدون فيها تعاليمه ولكن يكفيه فخرًا أنه كان أستاذًا (لإكليمندس) الذي خلفه في رئاسة المدرسة وأعطاها شهرة واسعة.

ولد (إكليمندس) من أبوين وثنيين حوالي 150م, البعض ينسبونه إلى أثينا والبعض الآخر إلى الإسكندرية, ولما كبر أخذ يتجول في إيطاليا ثم سوريا وفلسطين باحثًا عن الحقيقة التي وجدها أخيرًا في مصر على يد القديس (ينتينوس) سنة 190م. وعند سفر (ينتينوس) إلى الهند كلّفه أسقفه (ديمتريوس) بالتعليم في المدرسة الإسكندرية حيث تتلمذ على يديه (أوريجانوس) الشهير. كان (إكليمندس) واسع الإطلاع غزير العلم مُلمًا بالآداب والفلسفة اليونانية, كما كان مُلمًا بالأسفار القانونية وبكتابات الآباء. ويُشهد له بأنه أعظم معاصريه في الإلمام بكل معارف عصره. اضطر إلى الهروب من الإسكندرية أثناء اضطهاد (سبتيم سافيروس) سنة 202م ولجأ لصديقه وتلميذه القديم (الكسندروس) أسقف قيصرية الكبادوكية. حيث قام بخدمات جليلة وتوفى سنة 214م تقريبًا] [2] .

[والنفس الإنسانية - عند كلمنت - مرآة الله بما اختصها به من عقل وإرادة, والله هو الموجود الكامل, لأن كمال الوجود لا يكون إلا في واحد, يسمو عن أي صفات يمكن أن يخلعها عليه البشر وإن كانوا مضطرين إلى تسميته بهذه المسميات أو الصفات ولاشك أن هذه العقيدة السامية عند (كلمنت) عن الله و (الغنوصية الحقة) ليس مصدرها فقط الكتاب المقدس, وإنما يمكن أن نجد لها أصولًا في الفلسفات الإيمانية - خاصة فلسفتي أفلاطون وفيلون - فالنظر إلى الله باعتباره الخير والبسيط والواحد إنما هو أخص خصائص الله عند (أفلاطون) وهى كذلك عند (فيلون) مضافًا إليها أنه (اللوجوس) الذي يتخلل الكون ككل, وإن كان ينبغي ألا يسمى (بالكل) كما عند الرواقيين, بل إن حديثه عن (الغنوصية الحقة) أو (الأدرية اللدنية) تشير صراحة إلى التأثيرات الشرقية والروح الصوفية التي كانت سمة الفكر الشرقي عامة ومصر القديمة بصفة خاصة. وكان هذا ما أكده بنفسه في مقدمة عمله (المختارات) حين قال: هذا العمل لم يكتب ليجئ استعراضا وتباهيًا, بل إن ملاحظاتي التي أوردتها اقتبست من العصور القديمة كعلاج لفقدان الذاكرة, إنها صورة دون فن, ونموذج أولي لتلك الكلمات الرصينة الإنسانية التي كانت زادي إبّان إصغائي, شأن أولئك الرجال المباركين الأشهار الذين تتلمذت عليهم, أحدهم من (أيونيا) والثاني من بلاد (هيلاس الكبرى) وثالثهم من (جوف سوريا) والرابع من (مصر) وخامسهم (أشوري) , والسادس (عبراني) , ومن بين هؤلاء جميعًا وجدت راحة النفس مع ذلك (المصري) . وهو يعني بذلك بالطبع (ينتينوس) ] [3] .

[ومهما يكن من أمر, فغاية القول أن الرجل جاء في عصر التحول إلى عالم جديد, تمتزج فيه الثقافة اليونانية السائدة في العالم الهلسنتي مع ثقافات الشرق القديم, مع محاولة تطويع هذا الوافد الجديد - أعني المسيحية - التي كانت تسعى جهدها كله لهضم هذا التراث الضخم للعالم

(1) مذكرات في تاريخ الكنيسة - القمص ميخائيل جريس - كنيسة الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي القس - الإسكندرية - مصر.

(2) تاريخ الأقباط الكاثوليك - موقع الكنيسة الكاثوليكية.

(3) الفكر المصري في العصر المسيحي - د/ رأفت عبد الحميد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت