الصفحة 53 من 372

القديم, ومن ثم فإن أهمية (كلمنت) السكندري تكمن في أنه أقام جسرًا فوق الهوة الكبيرة الواسعة التي تفصل بين الهللينية والمسيحية. لقد كان أستاذًا (لأوريجن) السكندري, والأب الحقيقي للاهوت اليوناني] [1] .

إذا كان (إكليمندس) أقام جسرًا بين الفلسفة اليونانية والمسيحية فإن أشهر من سار عليه هو أوريجانس الذي أخرج إلى الوجود أفكار (بولس) ومحاولات (كلمنت) وأوصلها إلى الشكل النهائي للاهوت المسيحية الوثني هذا الفكر اللاهوتي الذي لازال حتى وقتنا الحاضر يتحكم في أفكار ومرجعية كل الكنائس على اختلاف مذاهبها.

[أوريجانس (185 - 253م)

ولد (أوريجانس) في الإسكندرية سنة 185م من عائلة مسيحية تقية وتلقى العلوم الأولية على يد والده (لاونيداس) الذي غرس فيه حب الكتاب المقدس, حتى كاد يحفظه عن ظهر قلب ويتأمل في معانيه الخفية. وبعد استشهاد والده أثناء اضطهاد (سبتيم سافيروس) , اضطر للعمل ليعول عائلته. فحينئذ طلب منه أسقفه (ديمتريوس) أن يرأس مدرسة الإسكندرية عوضًا عن (إكليمندس) الذي اضطر إلى الفرار. وكان (أوريجانس) في الثامنة عشر من عمره. وأخذ يتدرج بتلاميذه من الآداب إلى العلوم إلى شرح الكتب المقدسة بكل جدارة وزاد عدد الطلبة والطالبات, معطيًا لهم مثال التقوى والنسك, حتى أخصى نفسه ليسد أفواه أخصامه عن النميمة. مطبقًا كلام السيد المسيح حرفيًا (متى 19: 12) .

وعندما زاد عدد التلاميذ اتخذ (باروكلاس) معينًا له حتى يستطيع تكميل دراسته الفلسفية على يد (أمونيوس ساكس) أعظم فيلسوف في عصره. هكذا استطاع أن يحاور الفلاسفة بالفلسفة ويستميل الكثيرين منهم إلى الديانة المسيحية مستعملًا الفلسفة لخدمة الحقيقة المسيحية.

وذاع صيته في العالم المسيحي كله حتى أن كثيرًا من الحكام والأساقفة طلبوا من الأنبا (ديمتريوس) أن يرسل إليهم (أوريجانس) ليحل مشاكلهم ومنهم على سبيل المثال أم الإمبراطور (الكسندر سافيروس) وحاكم (يوسترا) من بلاد المغرب. ودعاه أسقف أورشليم وأسقف قيصرية فلسطين ليلقي التعاليم المسيحية في كنائسهم ورسماه كاهنًا مما أغضب أسقفه الشرعي (ديمتريوس) الذي حرمه ومنعه من التعليم بالإسكندرية سنة 213م. فاضطر (أوريجانس) أن يلجأ إلى قيصرية فلسطين عند الأسقف الذي رسمه كاهنًا وأنشأ هناك مدرسة لاهوتية فاقت مدرسة الإسكندرية بطابعها العلمي وجذب إليها أكبر الشخصيات الذين كانوا يتشرفون بأنهم تلاميذه وهناك علّم عشرين سنة وكتب معظم مؤلفاته, التي بلغ عددها ستة ألاف مخطوط على ما رواه القديس (أبيقانوس) أسقف قبرص ومنها الكتب اللاهوتية والكتابية والدفاعية والتصوفية ورسائل متعددة تظهر صلاته الواسعة مع كل عظماء عصره. نذكر منها كتابه (حول المبادئ) الذي هو أول موسوعة لاهوتية في تاريخ الكنيسة. ثم (السداسيات) وهو أول كتاب تقوي عن الكتاب المقدس في خمسين مجلدًا على ستة جداول ثم صارت ثمانية جمع فيها كل النسخ والترجمات المعروفة في عصره. بخلاف تفسيراته للكتاب المقدس ومعناه المجازي. وعظاته اليومية عن معظم أسفار الكتاب.

وفي دفاعه عن الكنيسة, رد على اعتراضات الفيلسوف الوثني (كلسوس) . الذي انتقد تعاليم الكنيسة بكل شدة فألف كتابه (ضد كلسوس) . وأخيرًا وليس أخرًا ألف الكتب التصوفية (الصلاة) و (الحث على الاستشهاد) . هذا الكتاب الجميل الذي يحث المؤمنين على الاستشهاد الذي يتوق إليه من كل قلبه.

وقد قبض على (أوريجانس) أثناء اضطهاد (دافيوس) وعذب أشد العذابات كي ينكر الإيمان فيسقط الكثير من المسيحيين بسقوطه. ولكنه ثبت بقوة وشجاعة نادرتين. وظل في السجن حتى موت (دافيوس) وبعد سنتين توفي من جراء آلامه في مدينة (صور) سنة 253م شهيدًا بغير سفك دم, وصار قبره مزارًا يحج إليه المسيحيون من مختلف البلاد إلى القرن الثالث عشر] [2] .

(1) الفكر المصري في العصر المسيحي - د/ رأفت عبد الحميد.

(2) تاريخ الأقباط الكاثوليك - موقع الكنيسة الكاثوليكية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت