فهرس الكتاب
كان (أوريجانس) [هو الأب الذي وضع بل أتم النظام السكندري لتفسير الكتاب المقدس. وقد لاحظ في وضعه ثلاثة أوجه - الوجه الحرفي, والأدبي, والروحي - وذلك بالمقابلة مع جسم الإنسان ونفسه وروحه. وقصد أن الوجه الحرفي يفهمه أي قارئ منتبه, والأدبي يفهمه من كان أكثر ذكاء, أما الروحي فلا يدرك إلا بنعمة الروح القدس التي تنال بالصلاة.
وكان جل الغرض الذي يرمي إليه هذا المعلم الشهير هو التوفيق لين المسيحية والفلسفة, الأمر الذي كان بمثابة الخمير في مدرسة الإسكندرية, فسعى في جمع الجزئيات المتفقة مع الحق في جميع الفلسفات وإتحادها في قالب مسيحي, إذا ما قدم الإنجيل للفلاسفة لا يجدون فيه ما يخالفهم أو ينفرهم, بل يضمن قبول اليهود والغنوسيين والعلماء الوثنيين له] [1] .
[والله عند (أوريجن) روح خالص محض, خلق العالم منذ الأزل, وهذه العوالم التي خلقها الله لانهائية, ولا ضير في أن تكون هى الأخرى كذلك, إلا أنها تختلف عن الله بأنها عرضة للتغير, وإنها متصلة بأجسام تميزها عن بعضها البعض. و (اللوجوس) أو (الكلمة) هى نموذج الخلق و (باللوجوس) خلقت كل المخلوقات, (اللوجوس) إذن هو الوسيط بين الله والمخلوقات, أما الروح القدس فهو الانبثاق الأخير عن الله ويأتي بعده مباشرة الأرواح المخلوقة, التي من خلال الروح القدس ترقى لتصبح أبناء الله, في وحدة مع الابن, لتشارك أخيرًا في حياة الإلوهية للأب] [2] .
[وعند (أوريجن) أن روحًا واحدة لم تتحول عن الله مع كل تلك الأرواح التي تحولت ووقعت في الخطيئة, هذه الروح اختيرت لتتحد مع (اللوجوس) , الكلمة المقدسة. إتحاد الروح والجسد في الإنسان, شأن قطعة الحديد المحماة في النار, حيث تتحد النار بالحديد دون أن يتحول هذا إلى تلك, أو النار إلى حديد, فهذا الجسد الذي جاء إلى مريم العذراء, جرى عليه مثل هذا الإتحاد, فأصبح عند (أوريجن) (الرب المتأنس) ] [3] .
[وبإقرار للعلاقة بين الأب والابن في مسألة الإلوهية السرمدية, فإنه وضع أسس الإيمان الأرثوذكسي بالثالوث المقدس, ولكنه في الوقت نفسه خلق مشكلة غاية في التعقيد في كيفية تحيد العلاقة بين الأب والابن, وأثار التساؤل الهام حول تصور (أزلية) الابن بصورة حقيقية في عالم الزمان والمكان. وإن كانت هذه المسألة بالنسبة له لم تكن تمثل مشكلة تؤرقه باعتباره (أفلاطوني) التفكير, يعتبر العالم المادي غير ذي أهمية بصورة نسبية, أو على الأقل ثانوي الأهمية, فالموجود الجوهري هو اللانهائي, السرمدي, والذي كان كل شيء منه كان, وقد أدى حدوث بعض الظواهر الكونية كالغواية الأولى في النظام الروحي إلى حدوث هذا العالم المختلط من الروح والمادة, وهو العالم الذي نحياه, غير أن الهدف الإلهي للخلاص هو أن يعود كل شيء إليه في الوقت الذي يشاء هو.
كان المسيح بالنسبة (لأوريجن) هو (الكلمة) , (اللوجوس) , (الوسيط) الذي من خلاله تعلم المسيحيون كيف يقيمون الصلاة للآب, وبرهن (أوريجن) على أن الصلاة الخالصة أو الصادقة الخاصة بالأفخاريستا (القربان المقدس) موجهة للأب من خلال الابن, وعليه فلابد أن يكون هناك تمايز معين, وارد أو مرعي. وأوضح (أوريجن) أنه بينما توجد مشيئة واحدة للأب والابن, إلا أنهما حقيقتين متمايزتين مختلفتين, شأن النموذج الأصلي والصورة المحاكية له, وما يذهب إليه (أوريجن) يجعل الابن في مرتبة تالية للأب, ولم يكن الفيلسوف السكندري يؤمن
(1) مختصر تاريخ الكنيسة - أندرو ملر.
(2) الفكر المصري في العصر المسيحي - د/ رأفت عبد الحميد.
(3) الفكر المصري في العصر المسيحي - د/ رأفت عبد الحميد.