الصفحة 55 من 372

أبدًا أن (اللوجوس) أو (الكلمة المقدسة) تنتمي أو تنتسب إلى نظام الخلق, لأن الابن (ولد) ولم (يخلق) وأن ولادته ليست في زمن بعينة, وهو الواسطة بين الأب وسائر الخلائق, هو الكاهن الأعظم بين الله والإنسان, هو الممثل لكل منهما لدى الآخر] [1] .

[والذي يدعو للانتباه هنا أن الأفكار التي قدمها (أوريجن) السكندري دفاعًا عن المسيحية ضد خصومها, باعتباره زعيم مدرسة المدافعين في الإسكندرية ومحاولة تقديمها في قالب عقلاني يمكن من خلاله مواجهة تيار الفكر اليوناني والفلسفات السائدة آنذاك وأراء الغنوصيين وحجج الوثنيين, هذه الأفكار الأوريجينية كانت تيارًا دافقًا, وجدت فيه كل الفرق المسيحية المتصارعة حول لاهوت المسيح وناسوته, ومكانته في الثالوث, وطبيعته, ومشيئته, رغم الخلاف الحاد والعميق بينها, الشيء الذي تبحث عنه, والدفوع التي ترد بها على محاجيها, فسرت كل فرقة من تلك الفرق آراء الفيلسوف السكندري على أنها تخدم وجهة نظرها الخاصة] [2] .

[ومهما يكن من أمر فقد لقيت الآراء الأوريجنية رواجًا هائلًا, إيجابًا أو سلبًا على الساحة الدينية, وتركت بصماتها واضحة على الفكر المسيحي على امتداد عدة قرون تالية, وشغلت الدوائر الكنسية والتجمعات الرهبانية ليس في مصر وحدها, بل في العالم المسيحي جميعه في الشرق والغرب على السواء, وعقدت المجامع الدينية وتناولت هذه الآراء بالمناقشة والنقد والتحليل, وانقسم شعب الكنيسة إزاء الفيلسوف السكندري بين مؤيد ومعارض] [3] .

أثارت أفكار (أوريجانس) دوامات في بحيرة العقل الراكدة المبنية على الإتباع وفقًا لتقاليد الكنيسة وخافت القيادات الكنسية على البناء الهش الذي تحاول أن تبنيه فاصطدمت بأوريجانس صدامًا أدي إلى حرمانه واعتباره مهرطقًا [لعل للكنيسة عذرها في الطعن على (أوريجانس) وحرمانه. ذلك أن تفسيراته الرمزية لم تجعل من المستطاع إثبات أي شيء فحسب, بل إنها فضلًا عن ذلك قضت بضربة واحدة على قصص أسفار الكتاب المقدس وعلى حياة المسيح الأرضية, وأعادت للفرد حقه في الحكم في الوقت الذي كانت تقول فيه إنها تدافع عن الدين. يضاف إلى هذا أن الكنيسة, وقد رأت نفسها وجهًا لوجه أمام حكومة قوية, أحست بحاجتها إلى الوحدة, ولم يكن في وسعها أن تأمن على نفسها إذا رضيت أن تمزقها إلى مائة شيعة صغرى كل ريح تهب عليها من عقل رجل من أتباعها, أو من عقل زنديق خارج عليها, أو نبي شغوف, أو ابن نابه.

وكان (سلس) نفسه قد قال ساخرًا إن المسيحيين (تفرقوا شيعًا كثيرة, حتى أصبح همّ كل فرد منهم أن يكوّن لنفسه حزبًا) . واستطاع (إيرينيوس) أن يحصي في عام 187م عشرين شيعة مختلفة من المسيحيين وأحصى (أبفانيوس) في عام 384م ثمانين, وكانت الأفكار الأجنبية تتسرب إلى العقيدة المسيحية في كل نقطة من نقاطها, وأخذ المؤمنون المسيحيون ينضمون إلى هذه الشيع.

وأحست الكنيسة أن عصر شبابها التجريبي يوشك أن ينتهي, وأن نضجها سيحل بعد قليل, وأن عليها أن تحدد مبادئها, وأن تعلن على الناس شروط العضوية فيها. وكان لابد لذلك من ثلاث خطوات ليست فيها واحدة سهلة. وضع قانون عام مستمد من الكتاب المقدس, وتحديد العقائد, وتنظيم السلطة.

وتفيض الآداب المسيحية القرن الثاني بالأناجيل, والرسائل, والرؤى, والأعمال ويختلف المسيحيون أش الاختلاف من حيث قبولهم هذه الكتابات على أنها تعبير صادق عن العقيدة المسيحية أو رفضها. فقد قبلت الكنائس الغربية مثلًا سفر الرؤيا, أما الكنيسة الشرقية فهى بوجه عام ترفضه. وهذه الكنائس الشرقية تعترف بالإنجيل, كما يقول به العبرانيون, وبرسائل يعقوب, أما الكنيسة الغربية فترفضهما. ويذكر (كلمنت) الإسكندري ضمن الكتب المقدسة رسالة كتبت في أواخر القرن الأول الميلادي اسمها تعاليم الرسل الإثنى عشر. ولما بشر (مرسيون)

(1) الفكر المصري في العصر المسيحي - د/ رأفت عبد الحميد.

(2) الفكر المصري في العصر المسيحي - د/ رأفت عبد الحميد.

(3) الفكر المصري في العصر المسيحي - د/ رأفت عبد الحميد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت