الصفحة 56 من 372

(عهدًا جديدًا) اضطرت الكنيسة إلى العمل لتحديد ما تعترف به من الأناجيل. ولسنا نعرف متى حددت أسفار العهد الجديد التي نعرفها الآن واعترف بها - أي اعترف بصحة نسبتها لأصحابها وبأنها موحى إليهم بها - وكل ما نستطيع أن نقوله واثقين أن وثيقة لاتينية كشفها (مراتوري) في عام 1740م وسميت باسمه, ويرجع الباحثون تاريخها إلى عام 180م تقريبًا نفترض أن هذا التحديد تم قبل ذلك بوقت.

وتكرر اجتماع المجالس والمجامع الكنسية تكرارًا متزايدًا في القرن الثاني, واقتصرت في القرن الثالث على الأساقفة, وقبل أن يختم ذلك القرن اعتُرف بأن هذه المجالس هى الفيصل الأخير في العقيدة المسيحية (الكاثوليكية) أي العامة. وتغلب الدين القويم على البدع الدينية لأنه أشبع حاجة الناس إلى عقيدة محددة تخفف من حدة النزاع وتهدئ الشكوك , لأنه كان مؤيدًا بسلطان الكنيسة] [1] .

انتهى القرن الثالث الميلادي وقد وأدت الكنيسة الفكر الحر وتحولت إلى التقليد والالتزام الكنسي والبابوي. فقد اكتشفت الكنيسة مدى هشاشة لاهوت بولس وتناقضاته وخافت على هروب أتباعها وتفرقهم واعتقدت أنها بذلك تحمي عقيدتها فوضعت يدها على مدرسة الإسكندرية وساعدها أن من أتوا بعد (أوريجانس) لم يكونوا على مستواه الفكري والشخصي. وبتأميم الفكر فقدت المدرسة حيويتها وجاذبيتها فكان مصيرها الاندثار.

كانت الكنيسة واهمة عندما ظنت أنها تحمي العقيدة من الخلاف الفكري فهى لم تقم إلا بتأجيل ما هو محتوم حدوثه, فأمراض الكنيسة ناتجة من الأساس من علاقة بولس بالوثنية. فمنذ أن فتحت الكنيسة أبوابها للأمم وانفصال بولس عن كنيسة أورشليم أصبحت علاقة المسيحية بالوثنية غير تقليدية ومضطربة كإثنان يتصارعان وهم مقيدان بقيد واحد سواء من حيث المكان في الإمبراطورية أو من حيث الفكر. فكنيسة أورشليم التي حافظت على طابعها ومجال دعوتها اليهودي لم تكن معنية بعلاقاتها الدينية والفكرية والمادية مع الإمبراطورية مثلها في ذلك مثل اليهودية, فهما كانا مثل الشرنقة أو الزائر في كل مكان حلّا به غير معنيين بما يدور حولهما. بينما مسيحية بولس عندما خرجت إلى الأمم وأعطت ظهرها لليهود كانت تبحث عن مستقر فكان لابد من التفاعل مع محيطها فكريًا وماديًا وهو ما أوجد الصراع على مكان يشاركها فيه أديان الإمبراطورية الوثنية. بالإضافة أن هناك أرضية مشتركة بين الوثنية والمسيحية مبنية على محاولة بولس حل مشاكل دخول الأمم للكنيسة فأصبحت لا تستطيع الابتعاد عن الوثنية ولا يمكن أن تتفق معها. وظل هذا الصراع محتدمًا حتى جاءت مدرسة الإسكندرية وقامت بجمع المشترك بين الطرفين فتنازلت الوثنية بعض الشيء وكذلك فعلت المسيحية ووجدت الكنيسة والوثنية في هذا حلًا وسطًا. فالكنيسة وجدت الأرجل والجسد واللسان اليوناني والوثنية وجدت الروح والإحساس بالقيمة لانتسابها لإله, ولكنه إله البشر هم من شكلوه على أهوائهم ورغبات وقدرات عقولهم. فكل ما تغير أن الأصنام المنحوتة من حجر وتزين معابد الإمبراطورية الرومانية أصبحت أصنام فكرية تزين المدارس والكنائس. وكان لزامًا للإله أن يكون له نبي فأصبح المسيح هو (اللوجوس) وكان لزامًا أن يكون له كتاب فأصبح هناك (العهد الجديد) ولكن كل هذا - عاجلًا أو أجلًا - نهايته معروفة, فهذا الجنين المشوه هو نتاج علاقة غير شرعية بين دعوة المسيح والوثنية.

[إن المسيحية لم تقضي على الوثنية, بل تبنتها, ذلك أن العقل اليوناني المحتضر عاد إلى الحياة في صورة جديدة في لاهوت الكنيسة وطقوسها, وأصبحت اللغة اليونانية التي ظلت قرونًا عدة صاحبة السلطان على السياسة أداة الآداب والطقوس المسيحية, وانتقلت الطقوس اليونانية الخفية إلى طقوس القداس الخفية الرهيبة, وساعدت عدة مظاهر أخرى من الثقافة اليونانية على إحداث هذه النتيجة المتناقضة الأطراف. فجاءت من مصر أراء الثالوث المقدس, ويوم الحساب, وأبدية الثواب والعقاب, وخلود الإنسان في هذا أو ذاك, ومنها الأفلاطونية الحديثة واللاأدرية, وطمس معالم العقيدة المسيحية. ومن مصر أيضًا استمدت الأديرة نشأتها والصورة التي نسجت على منوالها.

ومن فريجيا جاءت عبادة الأم العظمى, ومن سوريا أخذت تمثيلية بعث (أوتيس) . وربما كانت تراقيا هى التي بعثت للمسيحية بطقوس (ديونشيس) وموت الإله ونجاته. ومن بلاد الفرس جاءت عقيدة رجوع المسيح وحكمه الأرض ألف عام, وعصور الأرض, واللهب الأخير الذي سيحرقها, وثنائية الشيطان والله والظلمة والنور. فمن عهد الإنجيل الرابع يصبح المسيح نورًا (يضئ في الظلمة والظلمة لم تدركه) . ولقد

(1) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت