الصفحة 57 من 372

بلغ التشابه بين طقوس المثراسية والقربان المقدس في القداس حدًا جعل الآباء المسيحيين يتهمون إبليس بأنه هو الذي ابتدعه ليضل به ضعاف العقول. وقصارى القول: أن المسيحية كانت آخر شيء عظيم ابتدعه العالم الوثني القديم] [1] .

أجّل المصير المحتوم للدين الجديد الالتفات إلى التحدي الخارجي الذي ألزم الجميع رص الصفوف لمواجهة أقصى اضطهاد قابلته الكنيسة في عهد الإمبراطور (ديوكليشيان) والذي استمر عشرة أعوام. كان الاضطهاد الأخير بمثابة صحوة الموت للوثنية في صورتها العديمة وجاء قاسيًا ومختلفًا ليس في طول المدة الزمنية فقط بل في تنظيمه أيضًا فلم يترك صغيرة ولا كبيرة في المسيحية إلا حاول أن يدمرها سواء في المباني المادية أو في الأشخاص وتفوق هذه المرة في تدمير المرجعية الدينية الممثلة في المخطوطات المنسوبة إلى المسيح والتلاميذ من رسائل وأناجيل. اعتقد الجميع أنه لا كاشف لهذه الغمة وأنها النهاية التي لن تُبقي ولن تذر. ولكن جاء الفرج والإنقاذ من حيث لا تدري الكنيسة, هذا الفرج الذي قلب كل الموازين والأوضاع فتحول المُضطهَد إلى مُضطهِد وتحولت الضحية إلى الجلاد.

إذا قرئت تاريخ الكنيسة وقابلت تحول جذري في مسار دعوة المسيح ستجد رؤية سماوية تقف خلف هذا التحول. فرؤية جعلت بطرس يفتح أبواب الكنيسة للأمم. ورؤية حولت شاول الطرسوسي المعادي لدعوة المسيح إلى بولس الرسول الذي أصبح من أشد المدافعين عنها. وهذا ما تكرر عند هذا المنعطف الحاسم للكنيسة. فهل تعدد الرؤى يعود إلى خطة إلهية كما يقول البعض أم إنها ملاذ سهل يخبّئ خلفه الأسباب الحقيقية لهذه التغيرات الجذرية المفاجئة في المواقف ليحافظ على مصداقية ومكانة من تحول من النقيض إلى النقيض.

لكي نعرف قيمة هذه الرؤيا لابد أن نوضح مدى تأثير التغير الذي حدث نتيجتها على مسار التاريخ سواء الكنسي أو الإمبراطوري. وهذا لن يتضح إلا إذا أوضحنا كافة الظروف السياسية الاجتماعية التي صاحبت ظهور هذه الرؤية لكي نحدد هل كانت رؤية غيرت المواقف السياسية لأصحابها أم أن تغير هذه المواقف حتمت ظهور هذه الرؤيا.

[شهد دقلديوناس, وهو هادئ في قصر بدلماشيا, فشل الاضطهاد والحكومة الرباعية, ذلك أن الإمبراطورية لم تشهد قط في أيامها السابقة ما شهدته من الاضطراب بعد نزوله عن العرش. وقد استطاع جلريوس أن يقنع (قنسطنطيوس) بأن يعين سفيرس ومكسينس دازا (قيصرين) عام 305م. وما لبث مبدأ الوراثة أن أخذ يثبت دعواه. فقد رغب (مكسنتيوس مكسميان) أن يخلف أباه في سلطانه, وثارت هذه الرغبة نفسها في قلب قسطنطين.

وكان فلافيوس فليريوس قنسطنطينس قد بدأ حياته في (نانيسس) ابنا غير شرفي (لقنسطنطيوس) من محظيته الشرعية هلينا, خادمة إحدى الحانات في (بيثينيا) . فلما أصبح (قنسطنطيوس) قيصرًا طلب إليه (دقلديانوس) أن يتنحى عن (هلينا) ويتزوج (بثيودورا) ربيبة (مكسميان) . ولم يتلق (قنسطنطين) من العلم إلا قليلًا, فقد انخرط في سلك الجندية في سن مبكرة, وأظهر بسالته في الحروب التي قامت ضد مصر وفارس. ولما خلف (جليريوس) (دقلديانوس) أبقى الضابط الشاب بالقرب منه ليكون رهينة لديه, يضمن به حسن مسلك (قنسطنطيوس) . ولما طلب إليه (قنسطنطيوس) أن يرسل إليه الشاب, تلكأ جليريوس في إجابته إلى طلبه وأظهر في ذلك كثيرًا من الدهاء, ولكن قسطنطين فرّ

(1) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت