فهرس الكتاب
من حرّاسه, واخترق أوربا راكبًا ليلًا ونهارًا لينضم إلى أبيه في بولوني, ويشترك معه في حرب ضد بريطانيا وكان جيش غالة شديد الولاء لقيسطنطيوس لما كان يتصف به من الرحمة, فلما أبصر ابنه الوسيم, الشجاع, النشط, أحبه حبًا جمًا, ولما مات والده في (يورك) عام 306م, لم يكتف الجند بأن ينادوا بقسطنطين (قيصرًا) فحسب بل نادوا به أغسطسًا - إمبراطورًا. لكنه رضى بأصغر اللقبين بحجة أنه لن يأمن على حياته إذا لم يكن من ورائه جيش يحميه. ولم يستطع جليريوس أن يتدخل في الأمر لبعده. فاعترف به (قيصرًا) وهو كاره. وحارب قسطنطين الفرنجة الذين غزوا الإمبراطورية وأنتصر عليهم, وأطعم وحوش المدرج الغالي ملوك البرابرة.
وفي هذه الأثناء نادى الحرس البريتوري في رومه (بمكسينتيوس) إمبراطورًا, لأنه كان يتوق لعودة الزعامة إلى العاصمة التليدة (306م) . وانقض عليه (سفيرس) من ميلان وهاجمه. وضاعف (مكسميان) الاضطراب والفوضى فعاد إلى لبس (الإرجوان) [1] إجابة لطلب ولده. واشترك في الحرب التي شبت نارها وقتئذ. وتخلى جنود (سفيرس) عنه وقتلوه (307م) , وأراد جليريوس, وكان في ذلك الوقت شيخًا طاعنًا في السن. أن يقوي مركزه ليواجه الفوضى التي أخذت تضرب أطنابها في البلاد, فعين أغسطسًا جديدًا (فلافيوس لسينوس) . فلما سمع (قسطنطين) بهذا اتخذ لنفسه أيضًا هذا اللقب (307م) وبعد سنة واحدة لقّب (مكسمينوس دازا) نفسه باللقب عينه, وبهذا أصبح في الإمبراطورية ستة أغاطسة بدل الاثنين اللذين كانا على عهد (دقلديانوس) , ولم يكتف واحد منهم بأن يكون قيصرًا فقط. وتنازع (مكسنيوس) مع والده, وذهب (مكسميان) إلى غاله ليستغيث (بقسطنطين) , وقد كان وقتئذ يحارب الألمان على ضفاف الرين. وحاول (مكسميان) أن يكون هو قائد الجيوش الغالية بدله, وأخترق (قسطنطين) غاله بجيشه, وحاصر المغتصب في مرسيليا, وأسره, وتفضل عليه بأن أجاز له أن ينتحر (310م) .
وأزال موت (جليريوس) الحاجز الأخير بين الدسائس والحرب. فائتمر (مكسمينس) و (مكسنتيوس) للقضاء على (ليسنيوس) و (قسطنطين) , وائتمر الثانيان للقضاء على الأولين. ورأى (قسطنطين) أن يكون هو البادئ بالعمل, فعبر جبال الألب, وهزم جيشًا لعدويه قرب تورين, وزحف على رومه بسرعة مدهشة ونظام عسكري يذكرّان الإنسان بزحف قيصر من الربيكون, والتقى في السابع والعشرين من شهر أكتوبر عام (312م) بقوى (مكسنتيوس) عند سكساربرا (الصخور الحمراء) , التي تبعد تسعة أميال عن رومه جهة الشمال, وأفلح بخططه الحديثة الفائقة أن يرغم عدوه على أن يقاتل ونهر التيبر من ورائه, وليس له من طريق يسلكه إذا تقهقر إلا أن يعبر جسر ملفيوس. ويقول يوسبيوس: أن قسطنطين شاهد بعد ظهر اليوم الذي دارت فيه المعركة صليبًا ملتهبًا في السماء وعليه تلك العبارة اليونانية ومعناها (بهذه العلامة انتصر) .
وفي صباح اليوم الثاني - كما يقول (يوسيسوس) و (لكتنيوس) رأى قسطنطين فيما يرى النائم أن صوتًا يأمره بأن يرسم جنوده حرف × على دروعهم وفي وسطه خط يقطعه وينثني حول أعلاه - علامة الصليب. فلما استيقظ من نومه صدع بما أمر وخاض المعركة خلف لواء (عرف من ذلك الوقت باسم اللبارم رسم عليه الحرفان الأولان من لفظ المسيح يربطهما صليب. ولعل حقيقة الأمر أن قسطنطين رأى أن يربط حظه بحظ المسيحيين حين رأى(مكسنتيوس) يرفع لواء أورليان, وهو لواء الشمس التي لا تقهر. وكان عدد جنوده المسيحيين وقتئذ كبيرًا, وبهذا جعل هذه المعركة نقطة التحول في تاريخ الأديان ولم يكن الصليب يسئ إلى جنود قسطنطين من عُبّاد مثراس, لأنهم طالما حاربوا تحت لواء يحمل شعارًا مثراسيًا من الضوء. ومهما يكن من شيء فقد انتصر (قسطنطين) في واقعة جسر (ملفيوس) وهلك (مكسنتيوس) هو وآلاف من جنوده في نهر التيبر, ودخل القائد الظافر في رومه وحيته المدينة وأصبح سيد الغرب بلا منازع.
وتقابل (قسطنطين) و (ليسنيوس) في ميلان في أوائل عام (313م) , لينسقا حكمهما. وأراد أولهما أن يجعل تأييده للمسيحيين عامًا يشمل الولايات جميعها, فأصدر هو وليسنيوس (مرسوم ميلان) , يؤكدان فيه التسامح الديني الذي أعلنه (جليريوس) ووسعا نطاقه حتى شمل الأديان كلها, ويأمران بأن يعاد إلى المسيحيين ما انتزع من أملاكهن في أثناء الاضطهاد الأخير. وعاد قسطنطين للدفاع عن غالة بعد هذا الإعلان التاريخي الذي كان في واقع الأمر اعترافًا بهزيمة الوثنية, واتجه (ليسنيوس) نحو الشرق ليكيل الضربات إلى (مكسمينس) (313م) . ولكن (مكسمينس) مات بعد قليل من ذلك الوقت فأصبح قسطنطين وليسنيوس حاكمي الإمبراطورية لا ينازعهما فيها منازع وتزوج ليسنيوس أخت قسطنطين واغتبط الشعب الذي مل الحروب بمخايل السلام البادية في الأفق.
(1) أي عاد إمبراطورًا كما كان من قبل.