فهرس الكتاب
ولكن كلا الحاكمين لم يفارقه أمله في أن يكون صاحب السيادة وحده على الدولة جميعها, ووصل العداء المتزايد بينهما في عام (314م) إلى امتشاق الحسام فغزا قسطنطين باثونيا, وهزم (ليسنيوس) واضطر إلى أن يسلم له جميع أملاك الدولة الرومانية في أوربا ماعدا تراقية. وانتقم (ليسنيوس) من المسيحيين المؤيدين لقسطنطين بالعودة إلى اضطهادهم في آسية ومصر فطرد المسيحيين من قصره في نقوميديا, وحتم على كل جندي أن يعبد الآلهة الوثنية, وحرّم أخر الأمر جميع الشعائر المسيحية داخل المدينة, وأمر بطرد من عصى من المسيحيين من خدمة الحكومة وحرمانهم من حق المواطنة, ومن أملاكهم أو حريتهم أو حياتهم.
وظل قسطنطين يترقب الفرصة التي تمكنه من إنقاذ المسيحيين في بلاد الشرق ومن إضافة الشرق نفسه إلى أملاكه. وأتيحت له هذه الفرصة حين غزا البرابرة تراقية وعجز (ليسنيوس) عن الزحف لملاقاتهم, فسار قسطنطين على رأس جيشه إلى تسالونيكي لينقذ ولاية (ليسنيوس) من الغزاة. فلما صد البرابرة احتج (ليسنيوس) على دخوله تراقية, وتجددت الحرب بين الملكين لأن كليهما لم يكن يجنح للسلم. والتقى حامي المسيحية ومعه 130 ألف من رجاله بحامي الوثنية على رأس 160 ألف في أدرنة أولًا ثم في كريسبوليس (أشقودرة) وانتصر وأصبح وحده إمبراطورًا على الدولة الرومانية (323م) . واستسلم (ليسنيوس) بعد أن وعده أستدعى قسطنطين المنفيين من المسيحيين وأعاد إلى كل (المؤمنين) ما فقدوه من الامتيازات والممتلكات. ومع إنه كان لا يزال يعلن أن الناس كلهم أحرار فيما يعبدون, فقد أعلن وقتئذ صراحة اعتناقه الدين المسيحي, ودعا رعاياه أن ينهجوا نهجه في اعتناق الدين الجديد] [1] .
جاءت الرؤية إذًا في وقتها أو جيء بها لتستنفر مشاعر الجنود المسيحيين ورغبة من قسطنطين وقد رأى مدى إيمان المسيحيين المطلق بعقيدتهم وطاعتهم العمياء لقادة الدين وللكنيسة الشيء الذي وجد قسطنطين أن الإمبراطورية أصبحت تفتقده فأراد وهو السياسي الخبير أن يستخدم هذا السلاح لصالحه تأسيا بمن سبقه في استخدام سلاح الدين. ففي مصر الفرعونية كان يشاع أن الفرعون من نسل الآلهة وكهنة الإله أمون هم حلفاء وأدوات للفرعون. فلماذا لا يكون الإمبراطور فرعونًا والكنيسة هى معبد أمون والإكليروس هم كهنة أمون. فالتقت مصالح الطرفين بعدما سقط الحاجز الوهمي بين المسيحية والوثنية ووجد الاثنين الحل والأرضية المشتركة التي ترضي الطرفين فكريًا من خلال لاهوت مدرسة الإسكندرية. ومنذ تلك اللحظة ارتبط مصير الاثنان وأصبحت الكنيسة والدولة كيان واحد فتمسّحت الإمبراطورية وتروّمت المسيحية. ولم يكن يعلم قسطنطين أنه أدخل قياصرة جدد في الحكم أو علمت الكنيسة أنها أدخلت أساقفة جدد إلى الكنيسة فأصبح الصراع على من يحكم ويؤثر في الإمبراطورية ليتحول التهديد من الخارج إلى الداخل.
اعتقد قسطنطين أنه سيهنأ بالًا, فهو قد قضى على آخر منافسيه وأنهى بلا رجعة الصراع بين الوثنية والمسيحية. أن المسيحيين سيحفظون ويردون له الجميل فيدينون له بالولاء والطاعة العمياء ولكنه اكتشف أنه كمن يستجير من الرمضاء بالنار وأن ما حسبه دواء شافي كان سم قاتل, فقد بدّل ما يعرفه واختبره بما لا يعرفه, وجيوش كان قائدها بجيوش أصبح جندي لقادتها, وأراضي ومعارك يعرف خباياها بمعارك لا يدري متى تبدأ وكيف تنتهي.
فإذا كانت الجيوش المادية يستطيع أن يحركها ويسيطر عليها إما بالقوة أو الرشوة فإن جيوش العقيدة لا تحركها الأوامر أو الرشاوى وإذا كانت الخلافات السياسية سهل تسويتها بالتفاوض والصفقات المتبادلة أو حسمها في الميدان فإن خلافات الدين لا تقل شراسة عن خلافات السياسة بل أكثر شراسة, فخلاف السياسة ينتهي بموت أصحابه أما خلاف الدين فإن صاحبه يكون هو نقطة انطلاقه ومفجره ليستمر بعده ويتفرع منه الصراعات الجانبية ويكون مثل الخلية سرعان ما ينقسم ويتكاثر ويختفي مع الوقت السبب الرئيسي الذي ولد كل هذه الصراعات.
ما أن خلع قسطنطين درعه ليرتاح تعدما وطد ملكه ماديًا وكما اعتقد دينيًا حتى وقع ما كانت الكنيسة تخشاه وتؤجله وفوجئ به قسطنطين. فقد ظهرت على السطح تناقضات مبادئ بولس اللاهوتية وأفكار أوريجانس التوافقية مع الوثنية, عندما أراد الاثنان إيجاد مرجعية لكنيسة الأمم وإيجاد فكر يقبله المسيحي والوثني. كانت مشكلات هذه المرحلة سببها القضية الثالثة التي صافها بولس عندما ذهب بدعوة المسيح إلى الأمم. فالقضية الأولى تطبيق الشريعة والقضية الثانية تعريف الإله لليونان والقضية الثالثة الأقنوم الثاني - المسيح - وهى الأكثر خلافيّه بين القضايا الثلاث. فبولس ورغبة منه في إيجاد حل لقضية ميلاد المسيح بدون أب ولكي يجعلها أكثر قربًا للفكر اليوناني استعار مصطلح
(1) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.