الصفحة 60 من 372

ومفهوم (اللوجوس) أو (الكلمة) . فأضفى القداسة على مفهوم فلسفي وثني وجد فيه أوريجانس الحل المثالي الذي يبتغيه لتكون نقطة التقاء بين المسيحية والوثنية, فأقام على لبنة بولس بناء كامل من اللاهوت الوثني المقدس. وعندما استقرت الكنيسة وأمنت التهديدات الخارجية أصبح هناك الوقت والهدوء لمراجعة معتقداتها والبحث الفكري في كل جوانبه. فظهر ما كانت الكنيسة تخشاه من عوار الفكر وهشاشة البناء. وكما كانت الإسكندرية هى المدافعة عن المسيحية وبانية صرحها أبت إلا أن تكون هى أيضًا المهاجمة لها ومقوضة ما بنته.

[كان أريوس, القس السكندري, قد تلقى تعليمه في مدرسة الإسكندرية اللاهوتية وتعلق تمامًا بآراء عمادها أوريجن, ووقف بكل فكره عند (الأورجنية) مأخوذًا بها, ثم التحق بمدرسة اللاهوت الأنطاكي, وتتلمذ على أفكار أستاذها (لوقيانوس) , فجمع أريوس بذلك بين الاتجاهين السائدين هنا وهناك, الفكر الأفلاطوني والمنطق الأرسطي, ودرس الكتاب المقدس, ولم يقف عند ظاهر النص شأن أهل النقل, بل تعداه إلى الأسرار الخفية والمعاني الرمزية كما يفعل أهل العقل, مهتديًا في ذلك بخطى اللاهوتي الكبير أوريجن السكندري, وأعمل فكره في ذلك كله, ثم راح يعلن أرائه أمام أسقفه إسكندر ورجال الإكليروس المصري في الإسكندرية] [1] .

[فالله عند أريوس لم يكن دومًا أبًا, فهناك فترة من الزمن لم يكن فيها الآب أبًا, وكلمة الله لم تكن دومًا, ولكنها من العدم نشأت, فالله قد جعل هذا الذي لم يكن (الابن) , من ذلك الذي لا وجود له (العدم) , وعليه فقد كان هناك زمان لم يكن الابن فيه موجودًا, ذلك أن الابن مخلوق, لا يساوي الأب في الجوهر, ليس الكلمة الحق الطبيعية للآب, ليس حكمته الحقّة, إنما هو أحد الخلائق, دُعى الكلمة والحكمة خطأ, لأنه نشأ بذات كلمة الله, وبالحكمة الكامنة فيه, التي بها سوّاه الله وسِوَاه. ومن ثم فهو بطبيعته عرضة للتغيير والتغاير شأن كل الخلائق. والكلمة غريبة عن جوهر الآب, بعيدة عنه ومنفصلة, والآب كيف يصفه الابن؟!.

إن الكلمة لا تعرف كنّه الآب يقينًا, والابن لا يعرف جوهره هو. من أجلب بني الإنسان جُبل, يخلق الله به الخلائق, به إذن يؤدي. لم يكن له وجود لولا أن شاء الله أن يُخلق] [2] .

أثارت أراء أريوس حفيظة رئيس الكنيسة (إسكندر) والشماس الذي سيذاع صيته ويصبح رئيس الكنيسة بعد ذلك (إثناسيوس) الشهير. وتحول التحفظ إلى ذعر بعد أن وجدت هذه الآراء أذان صاغية بين رجال الدين المصريين وبلغت مسامع المثقفين الذين أصيبت عقولهم بالصدأ بعد تأميم مدرسة الإسكندرية اللاهوتية ووصل إلى العامة. فما كان من إسكندر إلا أن قام بحرمان أريوس وأتباعه, في ما سوف يصبح تقليدًا بعد ذلك, فقد دعى إلى مجمع من رجال الدين ليكون هو السند الشرعي لهذا الحرمان وحدث ذلك في عام (319, 321م) . وتحول الجدال والسجال اللاهوتي من المحلية إلى العالمية بعد انتشار أفكار أريوس بواسطته أو عن طريق أتباعه إلى شرق المتوسط ذات الثقافة اليونانية وقام (يوسيبيوس) بعقد مجمع مضاد عام (322م) قرر تبرئة أريوس ودعوة أساقفة الكنيسة لتأييده. هكذا ظلت المجامع تعقد لنصرة كل طرف على الآخر. ويبدو أن فكر أريوس أزعج الكنيسة ليس فقط لأنه يسقط فكر التثليث بسقوط أحد أضلاعه سقوطًا فكريًا بل أيضًا يسقط النظام الكنسي. فأريوس كان يريد إلغاء فكرة الوسيط بين السماء والأرض مما يؤدي إلى عدم الاحتياج إلى رجال الدين والكهانة وهذا معناه انهيار مؤسسة الكنيسة ونفوذها وسلطة الإكليروس على أتباع الكنيسة فكان فكر أريوس ينسف الكنيسة من أساسها فكريًا ومؤسسيًا.

كان النزاع الفكري الذي أثاره أريوس هو المحل والتجربة الأولى لاختبار التحالف الذي أُقيم بين قسطنطين والكنيسة وهنا بدأ الشد والجذب في ساحة معركة جديدة فيها كل طرف يستخدم الطرف الآخر لمصلحته. فقسطنطين يستخدم الكنيسة لكي يحتمي بالمسيحيين في الداخل ويكونون هم جيشه المخلص. والكنيسة اختلطت المصالح والمطامع مع الدين والمبادئ وبدأت كفة أصحاب المصالح تثقل واعتقدوا إن الوقت قد حان لكي يجنوا ثمار التعذيب والاضطهاد وبدلًا من دخول ملكوت السماوات اختاروا القرب وهو دخول ملكوت الإمبراطورية.

(1) الفكر المصري في العصر المسيحي - د/ رأفت عبد الحميد.

(2) الفكر المصري في العصر المسيحي - د/ رأفت عبد الحميد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت