الصفحة 61 من 372

مارس الإمبراطور سلطته لأول مرة على الكنيسة وأرسل إلى أطراف النزاع يطالبهم بحل أمور الفقه التي وصفها بأنها أمور تافهة. فأثبت أنه لا يعرف بماذا ومع ماذا يتعامل فالإمبراطور نظر إلى هذه الاختلافات نظرة قائد إلى جنوده أو سياسي إلى حكامه يريد منهم الانضباط العسكري والالتزام الإداري فأظهر وجهة نظره للدين الذي أراد أن يستخدمه كأداة من أدوات الحكم لكنه سيكتشف إن مسئولية الدين اكبر من مسئولية الجيوش مخاطره اكبر من مخاطر المعارك فقد انتقل من صراعات القوميات والشعوب إلى صراعات المعتقدات والأديان وبعكس صراعات الماديات التي تحسم بالماديات, لا يمكن حسم صراعات العقائد لأنه وببساطة لا يملك أدوات حسمها فتظل تتوارثها الأجيال وتصبح اقرب إلى حروب الاستنزاف التي تمتص وتقضي على الطرفين معًا.

لم يلتفت احد إلى رسائل الإمبراطور فطرفي النزاع لا يملكان إنهاء النزاع كما ملكا إشعاله فوجد الإمبراطور ورجال الدين أن الأمر يتطلب عقد مجمع لبحث الصراع وفي هذا المجمع اكتشف رجال الدين ما سبق أن اكتشفه الإمبراطور كل في ما يخصه في حلفهما.

انعقد مجمع (نيقية) لبحث الصراع وكان تحت إشراف الإمبراطور وجمع 318 أسقف اغلبهم من الجانب الشرقي من المتوسط للثقل الحضاري اليوناني في ذلك الوقت واشتهر بكونه المجمع المسكوني الأول. وكان البداية لشهرة الكثير من الشخصيات والتي سوف تملأ صفحات التاريخ مثل (إثناسيوس) و (يوسيبيوس) الذي قام بدور توفيقي كبير في صياغة أول قوانين الإيمان والذي انتهت إليه مناقشات المجمع بعد صراعات وتوازنات وأطماع والأكثر أهمية تدخلات مباشرة من الإمبراطور كأي صراعات سياسية تتدخل فيها السلطة.

وكان قانون الإيمان النيقي الذي ينص على (نؤمن باله واحد, الله الآب ضابط الكل, خالق السماء والأرض, ما يرى ومالا يرى. نؤمن برب واحد يسوع المسيح, المولود من الآب قبل كل الدهور, نور من نور, اله حق من اله حق, مولود غير مخلوق, مساوٍ للآب في الجوهر الذي كل شيء به كان, هذا الذي من اجلنا نحن البشر ومن اجل خلاصنا نزل من السماء, وتجسد من الروح ومن مريم العذراء, تأنس وصلب على عهد بيلاطس النبطي, تألم وقُبر, وقام من بين الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب, وصعد إلى السماوات وجلس عن يمين الآب, وسوف يأتي من مجده ليدين الأحياء والأموات, الذي ليس لملكه انقضاء) [1] .

هل كان النزاع يكفي حله بمرسوم إيمان إن كان هذا صحيح فلماذا لم يتحقق إيمان الوثنيين بالمسيحية بمرسوم إيمان!. واكتشف رجال الدين الحقيقة المرة في مجمع نيقية, أنهم ليسوا وحدهم من سوف يسيّر شئون الكنيسة منذ تلك اللحظة بل سيتدخل في إدارتها عوامل سياسية وسلطوية ستفرض عليهم التوازنات والحلول الوسط ولن يستطيعوا أن يواجهوا تلك الضغوط - كالسابق - تحت شعار محاربة الوثنية ومقاومة الاضطهاد بسبب العقيدة. واكتشف رجال الكنيسة أنهم لا يملكون أصل ثابت وموثق ومتفق عليه مثل التوراة عند اليهود, فالخلافات التي تم من اجلها الدعوة إلى هذا المجمع وما سوف يليه من مجامع ليست هى خلافات مذهبية بسبب تفسيرات مختلفة لأصل موثق بل هى محاولات لتشكيل العقيدة ورتق الثقوب في الثوب الذي ورثوه من بولس واوريجانس وان القدرة على حماية هذه القوانين الإيمانية التي اقروها بداية في نيقية وما سوف يستجد بعدها من قوانين والتي تحاول أن تشكل العقيدة ويستطيع غيرهم أن يغيروها أو لا يلتزموا بها, تعود إلى قوة السلطة التي تقف ورائها تدعمها وتحميها. فأصبحت الكنيسة تحت رحمة احتياجها لدعم السلطة المادية البشرية بعدما تركت دعم السماء. هذه السلطة البشرية التي سوف تفرض عليها تغيير معتقداتها وفقا لمصالحها ووفقا لتوازنات القوى السياسية المتغيرة, فخضع المطلق إلى المتغير وخضع الدين إلى الدنيا ففقد حياديته ومصداقيته وفي النهاية فقد تبعًا لذلك هيبته وسلطته.

كعادة الحلول التوافقية لا ترضي جميع الأطراف فأصبح في طرف المعتدل منهم والمتشدد كحال مجمع أورشليم عام 50م. هنا تدخل الإمبراطور بسلطته ليهدد كل من لا يوافق على قانون الإيمان النيقي فتم حرمان اريوس وأتباعه ومنعه من دخول الإسكندرية وإعدام كتبه التي توثق أفكاره. واعتقد الجميع أن الأمور هدأت واستقرت ولكنه الهدوء الظاهر على السطح أما في العمق فكان الوضع مختلف.

(1) الفكر المصري في العصر المسيحي - د/ رأفت عبد الحميد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت