الصفحة 62 من 372

[في القرن الرابع الميلادي كانت الشئون الكنسية في عالم البحر المتوسط الذي تعتمد فيه الدولة اعتمادًا كبيرًا على الدين, قلقة مضطربة إلى حد شعرت الحكومة معه أن لابد لها من أن تتدخل في أسرار الدين وخفاياه. ذلك أن مجمع نيقية الذي عقد في عام 325م لم يضع حدًا للنقاش الحاد الذي احتدم أواره بين اثناسيوس واريوس, بل ظل كثير من الأساقفة - كانوا هم الكثرة الغالبة في الشرق - يناصرون اريوس سرًا وجهرًا, أي أنهم كانوا يرون أن المسيح ابن الله, ولكنه لا يشترك مع الآب في مادته ولا في خلوده. ولم يستنكف قسطنطين نفسه, بعد أن قبل قرار المجمع وطرد اريوس من البلاد, أن يدعوه إلى اجتماع شخصي معه (331م) , فلما اجتمع به لم يجد في أقواله ما يستطيع أن يعدّه خروجًا على الدين, وأوصى بأن تُرد إلى اريوس وأتباعه كنائسهم. واحتج اثناسيوس على ذلك, فاجتمع في صور مجلس من أساقفة الشرق وقرر خلعه من كرسي الإسكندرية الديني (335م) , وظل عامين طريدًا في غالة. أما اريوس فقد زار قسطنطين مرة أخرى, وأعلن قبوله للعقيدة التى قررها مؤتمر نيقية بعد أن أضاف تحفظات دقيقة لا يُنتظر من إمبراطور أن يفهمها. وآمن قسطنطين بأقواله, وأمر الإسكندر بطرق القسطنطينية أن يقبله في العشاء الرباني] [1] .

أصبح الإمبراطور هو الذي يدخل الناس إلى الملكوت ومحرمهم منه فانتقلت السلطة الدينية من أيدي رجال الاكليروس إلى أيدي رجال الحكم وبدأ الصراع بين الطرفين على النفوذ في توجيه دفة الدين ولم يعد الخطأ والصواب مرتبط بالمبادئ والتعاليم التي جاء بها المسيح بل مرتبط بهوى الحاكم والظروف السياسية في الإمبراطورية فوجد الكثير انه ليس بالضرورة أن يكون معك قوة الحق مثل الأنبياء بل من الأفضل أن يكون معك حق القوة مثل الحكام.

زاد مع الزمن تدخل الحكام في معتقدات الرعية تحقيقًا للقول الشائع (الناس على دين ملوكهم) [عنيّ قنسطنطيوس بشئون الدين عناية أكثر جدية من عناية أبيه, فشرع يبحث بنفسه أبوّة المسيح, وخرج من هذا البحث باعتناق مذهب اريوس, وشعر بأن واجبه الأدبي يحتم عليه أن يعرض هذه الآراء على جميع العالم المسيحي. وطرد اثناسيوس من كرسي الإسكندرية مرة أخرى (339م) , وكان قد عاد إليه بعد موت قسطنطين ودعيت مجالس الكنائس تحت إشراف الإمبراطور الجديد وأيدت تشابه المسيح والآب دون اتحادهما في المادة. واخرج الكهنة الذين استمسكوا بعقائد مجمع نيقية من كنائسهم, وكان الغوغاء في بعض الأحيان هم الذين يخرجونهم منها, واتى على المسيحية نصف قرن من الزمان لاح فيه أنها ستؤمن بالتوحيد وتتخلى عن عقيدة إلوهية المسيح. وكان اثناسيوس في هذه الأيام العصيبة يقول عن نفسه انه يقف وحده في وجه العالم كله, فقد كانت جميع قوى الدولة تقاومه, بل إن أتباع كنيسة الإسكندرية خرجوا عليه واضطر في خمس مرات مختلفة أن يفر من كرسيه معرضًا حياته في معظمها لأشد الأخطار, وان يهيم على وجهه في البلاد الأجنبية. وظل خمسين عامًا (323 - 373) صابرًا يكافح ويدافع عن عقيدته كما حددها مجمع نيقية بزعامته مستعينًا على ذلك بمهارة الدبلوماسي وعنف الرجل البليغ, ولم تلن له قناة حتى بعد أن ضعف البابا لييريوس واستسلم. واليه يرجع معظم الفضل في استمساك الكنيسة بعقيدة التثليث.

وعرض اثناسيوس قضيته على البابا يوليوس الأول (340م) , فرده يوليوس إلى كرسيه, ولكن مجمعًا من أساقفة الشرق عقد في أنطاكية (341م) وأنكر على البابا حقه في هذا الحكم, ورشح جريجوري, وهو رجل من أتباع اريوس, أسقفا لكرسي الإسكندرية, لكن جريجوري لم يكد يصل إلى تلك المدينة حتى أثارت أحزابها المتنافسة فتنة صماء قتل فيها عدد كبير من الآهلين. اضطر اثناسيوس على أثرها إلى التخلي عن كرسيه حقنًا للدماء (342م) . وثارت في القسطنطينية فتنة أخرى من نوعها, كان سببها أن قنسطنطيوس أمر أن يستبدل ببولس - الرجل الوطني المستمسك بالدين القويم - مقدونيوس الاريوسي, فهب جماعة من مؤيدي بولس يقاومون جند الإمبراطور, وقتل في الاضطرابات التي أعقبت هذه المقاومة ثلاثة ألاف شخص. واكبر الظن أن الذين قتلوا من المسيحيين بأيدي المسيحيين في هذين العامين (342 - 343م) يزيد عددهم على من قتلوا بسبب اضطهاد الوثنيين للمسيحيين في تاريخ روما كله] [2] .

وقعت كل هذه الأحداث والتطورات زمن أسقف القسطنطينية يوسيبيوس المؤرخ الشهير للكنيسة ومحرك وصانع قانون الإيمان النيقي والصديق المقرب لاريوس ويمكن القول انه ساهم في الأحداث بقسط وفير بعدما انتقلت إليه زعامة الاريوسيين عقب وفاة اريوس الغامضة عندما استدعاه الإمبراطور إلى العاصمة الجديدة بسبب الاضطرابات التي وقعت في الإسكندرية عند عودته إليها بين فرقها المتصارعة.

(1) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.

(2) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت