فهرس الكتاب
كان يوسيبيوس بعد أن أصبح أسقف القسطنطينية الفاعل الرئيسي والمحرك لهذا التحول المذهبي لقربه من الإمبراطور وتأثيره القوي على شئون الحكم التي اندمجت مع شئون العقيدة وحاول أن يحفظ الشكل الظاهري لهذا التحول عن طريق مجمع كنسي جديد عقد عام (342م) في أنطاكية ليصدر قانون إيمان جديد متوافق مع الفكر الاريوسي. ويبدو لعظم تأثير يوسيبيوس وتقديرًا لما قدمه للمذهب الاريوسي تغير اسم أتباع اريوس من الاريوسية إلى اليوسيباية.
ما لبث أن انقسم أتباع اريوس أو اليوسابيين بين متشدد ومعتدل فالأفكار ليست حكرًا على احد بعكس الأحزاب السياسية المحكومة بنظم. فسرعان ما يخرج على الرعيل الأول جيل جديد يكون على يسار أو يمين الفكر القديم إما لهدف ديني فكري أو لهدف دنيوي. وظل المذهب الجديد يتشقق ويتصارع أتباعه حتى خرج من هذا الصراع فرقة أو أصحاب مذهب جديد أطلق عليه (الانومية) والتي رفضت جملة وتفصيلًا أي تشابه بين الآب والابن وهو ما معناه الإنكار التام لإلوهية الابن أو الاقنوم الثاني.
ترجع نجاحات هذه الفرقة في الأساس لتزامن ظهورها مع تغيرات سياسية صبت في مصلحتها. فمنذ اندماج الكنيسة مع الدولة لم يعد النجاح يحتاج فقط القناعة الفكرية بل لابد من قوة تحميه.
[وقد حقق (الانومويون) انتصارات متتالية لم تتح لغيرهم من الفرق الاريوسية. فقد توافق صعود نجمهم مع انتصار الإمبراطور (قسطنطيوس) على خصمه (ماجنتيوس) قاتل أخيه (قنسطانز) , وكان قسطنطيوس اريوسيًا متحمسًا. ولما كان الأسقف القرطبي (هوسيوس) يقيم آنذاك في سيرميوم نزولًا على إرادة الإمبراطور لمدة تزيد على العام عقابًا له على معارضته أوامر الإمبراطور الخاصة بإدانة (اثناسيوس) فقد حرص (الانومويون) على أن يضع (هوسيوس) توقيعه على مرسوم سيرميوم هذا, وقد أقدم الرجل على ذلك تحت ضغط الإمبراطور وقهره على حد قول (اثناسيوس) ولتقدم العمر به واختلاط الأمر على عقله ولكنه رغم ذلك لم يوقع على الجزء الخاص بإدانة (اثناسيوس) , وإنما أعطي توقيعه فقط على المرسوم السيرميومي] [1] .
لكن لم يهنأ المذهب الجديد وأنصاره بهذا النجاح في أن يكون هو المذهب الرئيسي في الإمبراطورية ورعاية الإمبراطور نفسه وحمايته.
[شهدت السنوات القليلة الباقية من قسطنطيوس (361م) صراعًا عنيفًا بين هذه الفرق الاريوسية, وعقدت المجامع, ودارت المناقشات, وحار الإمبراطور بين هذه وتلك وهو لا يدري من أمر هذه الخلافات اللاهوتية شيئًا] [2] .
وبلغت الفوضى العقائدية والمذهبية مداها في الإمبراطورية [لا تجد وصفًا أدق لهذا الصراع اللاهوتي مما قاله (هيلاريوس) أسقف بواتييه وهو يعزي الكنيسة ويرثي (لهذه الحالة المهلهلة التي أمسى عليها اللاهوت المسيحي والعقيدة فنراه يقول: حقًا انه لشيء يرثى له وأثيم, أن ترى عديدًا من قوانين الإيمان بين الناس, عقائد كالأهواء, منابع الكفران والتجديف ماثلة حلول الخطايا فينا, نضع مراسم الإيمان بهوس, ونفسرها بعصبية, تارة نرفض الهوموسية[3] , وأخرى نرضى عنها, ثم تتناولها من هنا وهناك أيدي المجامع, والتشابه الكامل أو الجزئي بين الآب والابن موضوع الجدال لزمان غير سعيد في كل عام, بل مع كل فجر تخرج عقائد جديدة, نصف بها غوامض الكلم, ونندم
(1) الفكر المصري في العصر المسيحي - د/ رأفت عبد الحميد.
(2) الفكر المصري في العصر المسيحي - د/ رأفت عبد الحميد.
(3) مساواة الابن للآب في الجوهر