فهرس الكتاب
على ما فعلنا, وندافع عن الذين تابوا, ثم نلعن أولئك الذين من قبل عنهم دافعنا, وندين عقائد الآخرين أشخاصنا, وعقائدنا في ذوات الآخرين, ونمزق هذا أو ذاك ونقطعه إربًا, ولدينا على الدوام للآخرين أنكالًا وجحيمًا وعذابًا أليما] [1] .
هل يا تُرى في هذا الوقت نظرت الكنيسة وسط كل هذه الفوضى, بالحنين إلى عصور الاضطهاد وزمن الوثنية وقت كانت الكنيسة هى سيدة قرارها رغم كل الصعاب والاضطهاد الذي لاقته, فكان الخلاف لاهوتيًا صرفًا ولا ينضم إليها إلا الصادق في إيمانه. فماذا جنت الكنيسة من مصالحتها للدنيا وزخرفها؟ هل تدفع الآن ثمن المطامع. فالقرار لم يعد في يدها ويشوبه الأهواء والسياسة وسلطة الحاكم الذي يقرر من المؤمن ومن المهرطق ففقدت المصداقية وانقسمت على نفسها وتسير في منحدر لا تعرف نهايته وتسقط في هاوية لا تعرف قرارها.
لم تنتهي هذه الفوضى العقائدية إلا بقرار سياسي وذلك عندما اصدر الإمبراطور (ثيودوسيوس) قرارا باعتبار إن المسيحية في صورتها النيقية هى العقيدة الرسمية للإمبراطورية في تسعينات القرن الرابع. أي مَن حدد العقيدة ليس الأساقفة أو المجامع أو ظهور الفكر الحقيقي أو على الأقل المرجح انه الصواب بل الحاكم. كان هذا القرار مبعث ارتياح لكنيسة الإسكندرية وتكليلًا لكفاح أسقفها (اثناسيوس) الذي ظل طوال خمسين عامًا مدافعًا قويًا لا يلين عن الإيمان بصورته النيقية وتحمل من جراء ذلك كل أنواع الاضطهاد وحتى عندما تحولت كل الإمبراطورية إلى الاريوسية ظلت الإسكندرية وأسقفها هى الوحيدة المصرة على صيغة الإيمان التي اقرها مجمع نيقية.
[تلك كانت المرحلة الأولى والخطيرة من مراحل الصراع الكنسي فكرًا, وكان جوهر هذا الصراع طوال القرن الرابع الميلادي هو مكانة الاقنوم الثاني, الابن , الكلمة, في الثالوث المقدس, هل هو مخلوق أم مولود؟ والقول بالأولى يعني التبعية, والقول بالثانية يعني الأزلية, وهل خلق من العدم أم ولد من الآب؟. والاعتقاد بالأولى يقود إلى سبق الآب للابن, والاعتقاد بالثانية يقود إلى الاتحاد بين الآب والابن, والإيمان (بالسبق) للآب في الوجود يعني اختلاف الجوهر بين الأقنومين, والإيمان بالولادة من الآب يعني الجوهر الواحد, أو المساوي. وحول هذا (الجوهر) دار الصراع. هل الابن (مساوٍ) للآب في (الجوهر) أم هو (مشابه له في الجوهر) ؟!. إن هو (مشابه) فقط؟. أم هو (غير مشابه) على الاطلاق؟!. ومن هذا اللابرنت العقيدي خرجت (النيقية) باتجاهيها المتشدد والمعتدل, والاريوسية الأصيلة والاريوسية المتشددة نعني بها (اليوسابيية) , و (الهوموسية) مذهب أنصاف الاريوسيين و (الهوموية) مذهب (المشتبهين) وفقط و (الانوموية) مذهب الرافضين لأي (شبهية) وكل هذا يصب في قالب واحد فحواه (مكانة الابن في الثالوث) ] [2] .
إن كنت عزيزي القارئ قد أصابك الدوار من هذه المتاهة الفكرية وتحملته لأنك تعتقد أن الأمور قد وصلت إلى نهايتها عند هذا الحد وان الاستقرار قد عرف طريقه أخيرًا للإمبراطورية بعد أن أصبح قانون الإيمان النيقي رسميًا هو دين الإمبراطورية, فأنت مخطئ كما كان الإمبراطور مخطئ. فإذا كان بالإمكان فرض مذهب على الرعية فبالإمكان فرض دين على الرعية, فلماذا كان الصراع إذًا بين الوثنية والإيمان ولماذا كانت متاعب الأنبياء ومشاقة أتباعهم. إن الإنسان لا يتبع إلا ما يؤمن به لأنه هو الشيء الوحيد الذي يجد فيه حريته في الاختيار وخصوصيته بعيدًا عن العوامل الخارجية المرتبطة باحتياجاته المادية المعيشية والتي تؤثر على قراراته. لذلك يكون إيمانه وسيله لإثبات هذه الحرية بعيدًا عن الخضوع لسلطة قاهرة أو إغراء دنيوي.
والآن عزيزي القارئ احتفظ بعقلك منتبهًا وذهنك صافيًا لتستطيع أن تلاحق تطورات المرحلة الثانية من الخلافات العقائدية والتي توشك أن تقع.
[كان طبيعيًا أن يؤدي هذا كله إلى تفجير قضية أخرى تترتب على تحديد (مكانة الابن) نعني قضية (طبيعة المسيح) , وإذا كانت الأولى هى التي شغلت القرن الرابع كله, فان القرن الخامس راح يلهث بسنيّ نصفه الأول وراء الثانية. وما حدث في الأولى, جرى في الثانية.
(1) الفكر المصري في العصر المسيحي - د/ رأفت عبد الحميد.
(2) الفكر المصري في العصر المسيحي - د/ رأفت عبد الحميد.