الصفحة 65 من 372

هل في المسيح طبيعتان لاهوتية وناسوتية؟! أم هى طبيعة (بشرية) غالبة؟ أم هى طبيعة (لاهوتية) ظاهرة على سواها؟. ودارت طاحونة الجدل والنقاش من جديد, ليضفي على بيزنطة ظله الكامل فيما ذاع عنها (بالمناقشات البيزنطية) ] [1] .

تفاعل الجدل تحت السطح وفي أروقة الفكر اللاهوتي وسرعان ما انفجر وطفا على السطح وتصدر الواجهة على أيدي رجال الاكليروس الذين أدمنوا الجدال ورغبة كل فرد فيه إثبات قدرته في التأثير على الآخرين اعتقادًا انه بذلك يضع اسمه في تاريخ ولاهوت الكنيسة أسوة بمن سبقوه. إن اللغم الذي انفجر في هذه اللحظة هو من ضمن الألغام التي وضعها بولس في اللاهوت المسيحي. فطبيعة المسيح لم يفسرها بولس بل أجملها في قوله [وبالإجماع عظيم هو سر التقوى: الله ظهر في الجسد (1تيمو 3: 16) ] . ولم يحدد ماهيّة علاقة الله والجسد في المسيح.

فجر القضية وكان محور الجدال أسقف القسطنطينية عام 428م في موعظته التي دشن بها رئاسته للأسقفية وفيها رسم منهج التحالف وتبادل المصالح بين السلطة والدين [أيها الإمبراطور اعنّي في صراعي ضد الهرطقة أقدم لك العون كله في حربك مع الفرس, أعطني الأرض وقد تطهرت من المارقين ... أمنحك نعيم الجنة المقيم!!] [2] . أصبحت الكنيسة لا تمارس الدعوة بل تمارس الحرب وأعداءها في منزلة الفرس أعداء الإمبراطورية فأصبح هناك نهج جديد في الصراعات العقائدية لا يحتمل الجدال والمجامع المسكونية والتوازنات والحلول الوسط بل مثل المعارك العسكرية لابد من حسمها بالسيف ومنتصر ومهزوم. وهو ما بدأ سريعًا في تنفيذه فقد دشن عهده بتدمير كنيسة للاريوسيين في القسطنطينية واستصدر أمر من الإمبراطور بالقضاء على عدد من الفرق المسيحية ومطاردة أصحابها. ومن نقصده وقام بكل هذه الأحداث, اريوس القرن الخامس الذي أطلق الجدال الجديد هو (نسطوريوس) .

[كان نسطوريوس احد أبناء مدينة (مرعش) حيث تلقى تعليمه هناك, ثم انتقل إلى أنطاكية حيث أكمل تعليمه في مدرستها, وتتلمذ على (ثيودور) أسقف المصيصة, واخذ عنه أفكاره وسار بها إلى المنتهى, وميز نفسه - على حد تعبير سقراط (بفصاحة الحديث وبلاغته وجمال الصوت وعذوبته) , ولم يلبث أن سلك درب الرهبانية, فآوى إلى دير (يوبربيوس) في إحدى ضواحي أنطاكية, غير انه رسم شماسًا ثم قسيسًا وسمح له بتفسير الكتاب المقدس لما يتمتع به من البلاغة والمقدرة الفائقة في التأثير على سامعيه, قد ذاع صيته ولغت شهرته البلاط الإمبراطوري الذي جاء من أنطاكية, ليكون أسقفًا للقسطنطينية بعد أن توفى أسقفها (سيسينيوس) (427م) , وحمل ذلك الرجل أفكاره وتعاليم أستاذه معه, بينما أمل أهالي بيعته أن يجدوا في رجلهم هذا يوحنا ذهبي الفم يبعث من جديد] [3] .

ويوضح نسطوريوس أفكاره فيقول [لقد تحدث الكتاب المقدس عن مولد المسيح, وعن موته, ولكنه لم يدعه أبدًا (الله) , بل المسيح أو يسوع أو الرب, وكلها دلالات تشير إلى الطبيعتين, هنا إذن يمكن أن نسمي العذراء (أم المسيح) لأنها حملت (ابن الله) (الإنسان) الذي بسبب اتحاده مع (ابن الله) يمكن أن يدعى أيضًا (ابن الله) , ومن هنا أيضًا يمكن القول بأن الذي مات هو (ابن الله) وليس الله. نحن نستمسك بإتحاد الطبيعتين دون اختلاط أو امتزاج.

وفي إحدى عظاته راح يقول: من ذا الذي تراه يؤمن بأن (الله) ولد من العذراء؟! إن من يفعل ذلك سوف يجعل العقيدة المسيحية محط استهزاء الوثنيين ومثار سخريتهم, لأن الوثني لابد أن يتساءل كيف لي أن اعبد إلهًا يولد ويموت ويُقبر؟!. لا يمكن لأحد أن ينكر إن الذي ولد هو (الطبيعة البشرية واتحدت معها الطبيعة الإلهية) .

(1) الفكر المصري في العصر المسيحي - د/ رأفت عبد الحميد.

(2) الفكر المصري في العصر المسيحي - د/ رأفت عبد الحميد.

(3) الفكر المصري في العصر المسيحي - د/ رأفت عبد الحميد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت