فهرس الكتاب
ويؤكد في عظة أخرى: بيلاطس لم يقتل الطبيعة الإلهية, ولكنه قتل الثوب الذي يرتديه, ولم يكن (اللوجوس) هو الذي كُفّن بالرداء الصوفي الخشن .... ودُفن. إن من يهب الحياة لا يموت, إذ لو حدث ذلك فعلًا, فمن ذا الذي يحييه من بعد؟!] [1] .
أصابت أفكار نسطوريوس أهل القسطنطينية بالهستيريا وتحولت إلى فوضى من جرّاء الصدامات بين الفرق المتصارعة. فلجأ الأسقف إلى الإمبراطور لكي ينفذ التزاماته في إطار تحالفه مع الكنيسة السابق إعلانه في بداية توليه الأسقفية. فقهر الإمبراطور الشعب وحرم رجال الكنيسة الذين عارضوا نسطوريوس ورفضوا آراءه وبالطبع لم ينسى احد الشكليات فتم الدعوة إلى مجمع كنسي اقر أفكار نسطوريوس وطرد من الكنيسة مخالفيه.
كعادتها وقفت كنيسة الإسكندرية سدًا منيعًا دفاعًا عن اليمان في صورته النيقية وعارضت أسقف القسطنطينية واستعادت شبابها زمن (اثناسيوس) , وكان على رأس الكنيسة في ذلك الوقت (كيرلس) . فكتب إلى بابا روما لتظهر العاصمة القديمة في الصورة من جديد وتقف أمام عاصمة الإمبراطورية الجديدة وتعقد مجمع كنسي مضاد وتقرر إدانة (نسطوريوس) واعتباره مهرطقًا إذا لم يرجع عن أفكاره.
وهكذا استمر الصراع الثلاثي بين أساقفة وكنائس روما والإسكندرية والقسطنطينية على الزعامة. وكل منهم يحاول استخدام أوراقه, خاصة القسطنطينية التي كانت تستخدم ورقة السلطة وتعاطف الإمبراطور في مواجهة الإسكندرية التي تستخدم ورقة الرهبان. حاولت الإسكندرية أن تنزع أو على الأقل تحيّد ورقة السلطة بمحاولة أخت وزوجة الإمبراطور المتعاطفتين مع الإسكندرية استمالته بعيدًا عن أسقف القسطنطينية ومن جهة أخرى للضغط علي (نسطوريس) , دعت الإسكندرية إلى مجمع كنسي هدده بالحرمان إذا لم يرجع عن أفكاره.
بالتأكيد توقع القارئ ما سوف يحدث!! قرر الإمبراطور (ثيودسيوس الثاني) عقد مجمع مسكوني جديد. فانعقد في افسوس المجمع المسكوني الثالث (432م) وصاحب هذا المجمع كل الظروف المحيطة بالمجامع السابقة من مصالح وأهواء وصفقات. وكل مشارك يحاول أن يستخدم أوراقه وهناك من يحاول أن يستفيد من الأوضاع, فكانت كل الأمور التي تناقش دنيوية ومادية بغطاء ديني وأخر ما كانت تبحث هى الأمور اللاهوتية التي من اجلها عُقد المجمع.
نجحت الإسكندرية في تأكيد زعامتها بفرض كلمتها على المجمع خاصة إن أسقفها استطاع أن يستخدم كل الظروف الفكرية أو حتى المناخيّة التي أجلت وصول أنصار خصمه لصالحه واهم أوراقه كانت ورقة (الرهبان) وسمعتهم - ما فعلوه بالوثنيين وهدم معابدهم في الإسكندرية - التي سبقتهم. وانتهى المجمع بإدانة (نسطوريوس) الذي رفض الحضور لتيقنه من الرياح لا تجري كما يشتهي. وقام بعقد مجمع مناظر في نفس المدينة بعد وصول أنصاره, فأصبح في المدينة مجمعين في نفس الوقت كل منهما يدين الأخر ويهدد بحرمان مشاركيه. ازداد الصدع بدلًا من رأبه بسبب تعنت كل طرف وذهبت روما والإسكندرية إلى جهة والقسطنطينية إلى جهة أخرى. واضطر الإمبراطور إلى التخلي عن أسقفه تحت الضغوط التي تحملها حتى في قصره فعزل (نسطوريوس) . واتبعت القسطنطينية الإسكندرية مرة أخرى ولكنها الأخيرة, فلم ينسى الإمبراطور أو حتى كنيسة القسطنطينية مهانة أن تتبع العاصمة وتنحني أمام مدينة تابعة لها وكان هذا التحول الهام هو أهم نتائج هذا المجمع فقد فقدت الإسكندرية زعامتها اللاهوتية التي كانت تعوض تبعيتها السياسية, ودليل على أن المسيحية قد استغنت عن الإسكندرية بعد أن أقبلت عليها وأقبلت هى على الدنيا وكان مسألة وقت ذهاب إلى القسطنطينية بعد تحالف الكنيسة والسلطة. استغنت الكنيسة عن نفوذ الفكر إلى نفوذ السلطة, تركت الدين إلى الدنيا.
كان مصير المجمع الثالث كمصير سابقيه. فصراعات الفكر التي تبدأ لا يمكن حسمها أو الاتفاق على حلول لها بل تتفاعل لتترك أحقاد ومرارة في الحلق. فهى مثل الطائر الذي تطلقه ولا يمكن استعادته.
(1) الفكر المصري في العصر المسيحي - د/ رأفت عبد الحميد.