فهرس الكتاب
حاول الإمبراطور إصلاح الأحوال بين أقطاب العقيدة ومدارس الفكر اللاهوتي السكندري والأنطاكي. وتوصل الطرفان إلى حل وسط وصيغة جديدة للإيمان سرعان ما أضيفت إلى سابقاتها, فظهر من يرفضها من الجانبين وانحاز لكل طرف متشدد أنصاره حتى ازداد الخرق ولم يعد بالإمكان رتقه فالنساطرة اعتقدوا أن المسيح كان في الأصل إنسانًا تجلى فيه (الله) فارتقى بينما في الإسكندرية كانوا يعتقدون أن المسيح كان في الأصل إلها اتخذ قالب إنساني فتدنّى. واستمر هذا الصراع البيزنطي يزداد تارة ويضعف تارة, ويلقي احد المتشددين من هذا الجانب أو ذاك الزيت على النار فيلتهب وتعقد المجامع وتتناثر قرارات الحرمان هنا وهناك. لكن هذا الصراع كشف دخول عامل جديد على الصراعات اللاهوتية. فوضح للعيان أن المجامع المسكونية أصبحت مجال تحاول أن تثبت فيه كل كنيسة - بعدما بلورت شخصيتها المستقلة وأضحت ممثلة لقومية الشعب الذي تمثله - زعامتها, فتحولت الكنائس إلى جيوش بلا سلاح والمجامع إلى ساحات قتال فاختفى الهدف الأسمى لعقد هذه المجامع للوصول للحقيقة وتحولت إلى استعراض للقوى بين الشعوب والقوميات وكانت الخلافات اللاهوتية في حقيقتها خلافات قومية وسياسية وشكل من أشكال الاستقلال السياسي مكتسية بالغطاء الديني. فلم يعد احد يفرق هل الكنيسة وطنية أم الوطنية تجسدت في الكنيسة.
أثارت مكانة كنيسة الإسكندرية وزعامتها اللاهوت المسيحي وتشكيله فترة طويلة حسد الآخرين بعدما تغيرت الظروف وأصبحت الكنائس مطمعًا وليس مغرم وتحالفت مع السلطة. كما إن كثير من الكنائس تعدت مرحلة الطفولة ودخلت في مرحلة النضوج وأرادت أن تستقل عن الإسكندرية والاهم أن الإمبراطور وجد انه لا يمكن استخدام أداة الدين إلا بتوحيد الزعامة السياسية والدينية, في العاصمة القسطنطينية. وكما أن السلطة في القصر فلابد أن تكون السلطة الدينية تحت نظره في كنيسة العاصمة, الهدف الذي سعى إليه محاولًا تحقيقه عندما تهدأ الأمور وتتغير الظروف.
تولى عرش الإمبراطورية (مرقيانوس) الذي وصل إليه من خلال الفراش وليس الجيش فلكي يصل إلى التاج تزوج أخت الإمبراطور ولم يعد الحظ في جانب كنيسة الإسكندرية بسبب حالة التوتر والعداء الخفي مع باقي الكنائس الساعية لدور لنفسها وتمردها على احتفاظ الإسكندرية بكل المكانة والصدارة اللاهوتية. فتهيأت الظروف السياسية والكنسية لإسقاط الإسكندرية من موقعها ومكانتها العليا وإحكام الإمبراطور قبضته على السلطة السياسية والدينية. وتم تنفيذ المخطط في مجمع تم الدعوة لانعقاده في (خلقيدونية) عام451م, ظاهره مناقشة قضية طبيعة المسيح وباطنه إسقاط الإسكندرية من مكانتها.
اجتمع تحت سمع وبصر الإمبراطور نفسه حوالي ستمائة أسقف في المجمع المسكوني الرابع ولكي ينزع الإمبراطور أوراق القوة لدي الإسكندرية تحالفت هذه المرة الكنائس وعلى رأسها كنيستا القسطنطينية وروما ضد كنسية الإسكندرية. وفقدت الإسكندرية أهم أوراقها عندما منع الإمبراطور دخول الرهبان إلى المدينة وقت انعقاد المجمع, فأصبح المسرح معد لما تم التخطيط له سلفًا واكتشف كل من ناصر أسقف الإسكندرية في السابق أن الأمور لا تسير في مصلحته وانه رهان خاسر, فتخلوا عنه وانضموا إلى الطرف الفائز. ووجد أسقف الإسكندرية انه أصبح وحيدا بعدما أدار الجميع ظهرهم له وانتهى المجمع إلى النتيجة المتوقعة بإدانة أسقف الإسكندرية (ديوسفورس) وحرمانه ورفض مذهب كنيسة الإسكندرية القائل (بطبيعة واحدة بعد التجسد) . وتم إعلان صيغة الإيمان الخلقيدوني.
كعادة مصر لا تقبل أن يملي عليها احد ما تعتقد ولا تتّبع إلا ما تختار عن قناعاتها وإذا حاول البعض إجبارها على مالا ترغب فهى تلجأ إلى الاحتماء بقوميتها وتتقوقع على نفسها مثل السلحفاة التي تحتمي بدرقتها الصلبة من الأخطار. لذا فقد رفضت كنيسة الإسكندرية الانصياع لقانون الإيمان الجديد وأصرت على معتقداتها فذهب وهم القسطنطينية والإمبراطور بإتباع الإسكندرية للإمبراطورية سياسيًا ودينيًا أدراج الرياح. وهدأت الأمور بين الاثنين إلى حين لالتقاط الأنفاس قبل أن تحاول الإمبراطورية مرة أخرى وستكون الأخيرة لإجبار الإسكندرية على أن تكون تابع للقسطنطينية.
أما في مصر فقد تحملت الإسكندرية مرارة سقوطها عن زعامة اللاهوت الذي صنعته وحمته فكريا مئات السنين وتمسكت بمذهبها وأرادت أن تجد في الاستقلال الديني عوضًا عن التبعية السياسية. فأظهرت الوجه القومي للدين وتوقفت عن استخدام اللغة اليونانية في الصلوات والقداسات واستخدمت اللغة القبطية بديلًا عنها وظلت العلاقات متوترة بين كنيسة الإسكندرية وباقي الكنائس بعدما وتيقنت الإسكندرية أن هناك من يحاول استخدام الدين لأغراض سياسية وحسابات توازن لا تملك أوراقها وهو التوتر الذي سينقلب سريعًا إلى صدام.