فهرس الكتاب
لم يكن مجمع خلقيدونية سبب لانشقاق الكنائس الشرقية فقط [على أن اخطر ما ترتب على مجمع خلقيدونية ذلك الصدع الهائل الذي حدث للعقيدة المسيحية, وكان مقدمة لتصدعات أخرى توالت عبر القرون ذلك أن المسيحية انقسمت الآن (سنة 451م) على نفسها إلى كنيستين متباعدتين تمامًا, الأرثوذكسية المصرية التي تتزعمها الإسكندرية والقائلة (بطبيعة واحدة في المسيح وهى الطبيعة الإلهية, ويسير على النهج نفسه الكنائس الأثيوبية والسريانية والأرمينية, والأرثوذكسية الخلقيدونية التي تقودها روما والقسطنطينية, والقائلة (بطبيعتين إلهية وبشرية في المسيح كاملتين مستقلتين غير منفصلتين ويتبعها في اتجاهها كنائس اليونان والبلقان أو أوربا الشرقية وروسيا] [1] .
وكما تدين تدان تجرعت القسطنطينية الكأس الذي سقته للإسكندرية. ففي القرن التاسع انفصم التحالف بين روما والقسطنطينية فقد رفعت روما راية العصيان واستقلت لتؤسس الكاثوليكية اتبعتها أوربا الغربية حتى القرون الوسطى عندما انشقت الكنيسة الكاثوليكية وظهر المذهب والكنيسة البروتستاتينية.
كان تخل السياسة والسلطة في مجمع خلقيدونية سافرًا وواضحًا بعدما كان من خلف ستار الشكليات وبواسطة رجال الدين الذين يتم إغرائهم واستمالتهم ليتحدثوا بلسان ورغبات الإمبراطور. فوجد رجال الدين أنهم أصبحوا مجرد موظفين يتلقون أوامر وتوجيهات الإمبراطور كأي مسئول في الإدارة أو أي جندي في الجيش الإمبراطوري. ففقد الدين مصداقيته وسلطته على أتباعه ووجدت الشعوب أن الإمبراطور يريد أن يحكم قلوبهم وعقولهم كما يحكم أجسادهم فاستخدمت القوميات الدين كمجال لإثبات الاستقلال عن الإمبراطورية فهى لا تستطيع أن تشق صدر كل فرد أو تجبره على اعتناق ما يخالف عقيدته فحولوا الهزيمة السياسية إلى نصر ديني فازدادت الفجوة بين الكنائس والنفور المتبادل وقابله فعل أكثر فجاجة من السلطة في محاولة أن تعيد بالقوة ما لم تستطيع فعله بالاحتيال.
انتصر (هرقل) إمبراطور الروم البيزنطيين على الفرس وأعاد الصليب المقدس إلى أورشليم. وهو النصر الذي جاء ذكره في القرآن في سورة الروم والذي صاحب انتصار المسلمين في موقعة بدر. وأراد (هرقل) أن يحقق انتصار في الداخل مماثل لانتصاره الخارجي. وكان النصر الذي يبحث عنخ هو توحيد العقيدة الدينية داخل الإمبراطورية ليعيد الماضي المضيء عندما كان الرابط الديني بديلًا عن الرابط القومي للإمبراطورية. لم يتعظ (هرقل) أو يتعلم من تجارب الماضي فارتكب في سبيل تحقيق هدفه النبيل كل الأخطاء في الممارسات من القهر والغلظة والفجاجة وغيرها من الأسباب التي تدعو إلى ردود أفعال سلبية أدت عكس ما كان يرجو (هرقل) فزادت من تمزق الكنيسة بدلًا من توحيدها.
مارس الإمبراطور هذه المرة بكل فجور سلطاته السياسية فلم يدعو إلى مجمع شكلي يمارس فيه دوره من خلف ستار رجال الدين, بل قام بالتوجه مباشرة إلى رؤساء الكنائس واظهر لهم مطالبه ورغباته. فرحب البعض وتحمس عن حسن نية وآخرين عن سوء نية ورغبة في التقرب من الإمبراطور وكان من ضمن المتحمسين (قيرس) أسقف (فاسيس) في بلاد الأكراد الذي عينه (هرقل) أسقفًا على الإسكندرية والمعروف لدي المسلمين (بالمقوقس) الذي أرسل له الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - إحدى رسائله يدعوه للإسلام ورد عليه بالهدية الشهيرة التي أدت في النهاية إلى التحالف بزواج الرسول من (مارية القبطية) وولادة (إبراهيم) تكرارًا لما حدث في السابق بين النبي (إبراهيم) و (هاجر المصرية) وولادة (إسماعيل) الجد الأكبر للرسول.
زاد الإمبراطور في حماقة التدخل على كل من سبقوه فتكفل بإعلان صيغة الإيمان - التي يرغب في توحيد الإمبراطورية عليها - مباشرة بدون مجمع مسكوني عام (638م) فرفضها المصريون, فما كان من الإمبراطور إلا أن حاول فرضها بالقوة عليهم فعادت للمسيحية ذاكرة عصور الاضطهاد الأولى ولكن هذه المرة بأيدي أبناء الدين الواحد المسيحيين وليس الوثنيين ولم يكن هناك اختلاف فالقتيل لا يعنيه مصدر الرصاصة أكانت من أخ أم من عدو.
(1) الفكر المصري في العصر المسيحي - د/ رأفت عبد الحميد.