فهرس الكتاب
احتمى المصريون بكنيستهم ووقفوا أمام مخالفيهم من أتباع مذهب الإمبراطور الذي عرف بالمذهب الملكاني وقفتهم أمام الأباطرة الوثنيين وهم لا يدرون هل برفضهم هذا يدافعون عن حريتهم الدينية أم يحاربون عن حريتهم واستقلالهم السياسي ممثلًا في الكنيسة هل كان الوطن يحمي الكنيسة أم الكنيسة بديلًا عن الوطن. هرب (بنيامين) أسقف الكنيسة واختبأ وفاق التعذيب والتنكيل مثيله الوثني في عصور الشهداء الأوائل وكان الاضطهاد لفرض المذهب الملكاني على المصريين السبب في إبعاد كنيسة الإسكندرية عن الإمبراطورية بل وعن العالم المسيحي برمته وللمرة الأخيرة. فقد حدث تحول عقائدي واجتماعي وسياسي وضع حاجز بينها وبين قدرة الإمبراطور على أن يكون له سلطة عليها مرة أخرى. هذا الحاجز هو دخول مصر تحت سيطرة المسلمين العرب فأصبحت مصر مع الوقت جزء فاعل ومؤثر من الدولة والأمة الإسلامية وتحولت بوصلة المصريين من أوربا إلى آسيا ومن المسيحية إلى الإسلام. وكما أسهمت الإسكندرية في الفكر واللاهوت المسيحي, ساهمت القاهرة في الفقه الإسلامي الذي جعل مصر قبلة إسلامية كما كانت قبلة مسيحية, وعادت مصر لتتبوأ مكانة الصدارة ولكن هذه المرة في العالم الإسلامي وان يحدد الله مكانتها حتى لا يحاول احد أن ينازعها هذه المكانة فهى الوحيدة التي اختيرت لتكون (كنانة الله في الأرض) .
كانت خلافات اللاهوت سبب في هشاشة الإمبراطورية ولم يتحقق ما كان يُبنى على الدين من أحلام في توحيد الإمبراطورية كما تمنى (قسطنطين) بل زادت الطين بله ومثلما أنهكت الحروب الخارجية والصراعات الداخلية جسد الإمبراطورية. استنزفت الحروب المذهبية فكرها وروحها. فكان الإمبراطور كمن يستجير من الرمضاء بالنار وتحولت الإمبراطورية إلى هيكل مادي وشبح ذهني لا يصمد أمام هبه هواء. والنتيجة الوحيدة للتحول الذي قاده (قسطنطين) انه نقل الإمبراطورية من الرابط القومي إلى الرابط العقيدي فمهد من حيث لا يدري الطريق للإسلام الذي وجد شعوب تبني ولائاتها على أساس العقيدة وليس القومية.
أما بعد
فهذا ما ألت إليه دعوة المسيح كنيسة أورشليم بسبب عناد اليهود وكفرهم وتحت حوافر الاضطهاد الوثني اندثرت وطواها النسيان. وكنيسة الأمم دفعت ثمن أفكار وطموحات بولس وخروجها من بيئتها الطبيعية. ففي محاولته لكل مشاكل الذهاب للأمم هدم بولس الكنيسة من أساسها. فبسبب محاولة حل مشكلة تطبيق الشريعة انشقت الكنيسة وظهرت إلى الوجود مسيحية بولس وبسبب محاولته حل مشكلة تعريف الإله بعيدًا عن التعريف اليهودي والتقرب إلى اليونانيين فاغرق المسيحية في بحر الوثنية وبسبب محاولته حل مشكلة ولادة المسيح من غير أب وتقريبها للعقل اليوناني فتح الباب على مصراعيه للخلاف المذهبي الذي حول الكنيسة إلى أنقاض. وفي النهاية لم تعد مسيحية بولس وسيلة تقرب الوثنيين إلى الله بل وسيلة لإبعادهم فهى لا تحمل من دعوة المسيح إلا الاسم وتتحمل أخطاء وخطايا بولس فهى في حقيقتها هرطقة وديانة وثنية المسيح منها براء.
وهكذا انتهى القرن السادس وحال المسيحية كحالها في بداية القرن الثاني, في فوضى عقائدية وأحقاد مذهبية بلا رابط ولا ضابط. وأصبحت تُستخدم كوقود لإثارة الصراعات التي من المفروض أن تطفئها فبدلًا من مطامع العسكريين حلت مطامع الأساقفة وبدلًا من العطاء الذي بنت الكنيسة فكرها عليه أصبح الاستفادة واكتناز المال هدفها الأول. ووجدت الشعوب أن الكنيسة لم تحقق طموحاتها في السكينة بالدين بل زاد على صراعاتها القومية الصراعات المذهبية. فكان تطلع الجميع للخروج من النفق المظلم الذي وصلوا إليه إلى ضوء الحقيقة والعلم الصحيح للدين.
وجاء الحل جاء من حيث لا يحتسب احد ومن مكان أخر ما يتصوره عقل أن يأتي منه. من الصحراء البعيدة القاحلة. من شعوب وقبائل أمية على الفطرة. جاء الحل ليفتح القبور التي أغلقت والملفات التي اعتقد البعض أنها أتلفت. جاء ليظهر الحقائق ويعيد الحق لأصحابه والاعتبار لأشخاص اعتقد الجميع أنهم طواهم النسيان في غياهب التاريخ. جاء ليفصل بين الحق والباطل بين الصادق والمهرطق. جاء ليحيي صراع اعتقد البعض أنهم حسموه جاء الإسلام.