الصفحة 77 من 372

والثالثة أمنت بالمسيحية واليهودية في آن واحد! بمعنى أنها احتفظت بكل عوائد وتقاليد ونواميس اليهودية والتي كانت رموزًا وظلالًا للعهد الجديد كما يقول الكتاب (فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت إلي هى ظل الأمور العتيدة) (كو 2: 16 - 17) وحفظوا السبت واحتفلوا مع المسيحيين بالأحد!! ونظر بعضهم للمسيح كابن الله (الناصريين) , ونظر البعض الآخر للمسيح كنبي مثل موسى ولكنهم امنوا بأنه مخلوق أعظم من جميع الأنبياء وأعظم من الملائكة ورؤساء الملائكة (الأبيونيين) ] [1] .

شرح القس كيف تلقى اليهود دعوة السيد المسيح. ووفقًا لتصنيفه فإن الفرق هى من الرعيل الأول الذي عاصر المسيح وعرف تعاليمه لذا فهى ليست فرق ظهرت في عصور لاحقة وعليه فإنها تقف على قدم المساواة في الإيمان والاعتقاد بمبادئها فهى لم تتفرع من فرق أخرى بل من المصدر الرئيسي للدعوة وهو المسيح.

وفي إطار تصنيف القس وإذا تجاوزنا تأكيده على أن فرقته هى الصحيحة وهو أمر طبيعي في سرده لباقي الفرق فهذا لا يجعلنا نغفل ملاحظات هامة وتناقض إيمانه هذا. فيلاحظ أن بولس لم يأخذ الدعوة ولم يتتلمذ على يدي المسيح مثل الآخرين بل كان من أشد المعارضين لدعوته ولتلاميذه وان قصة تحوله إلى الإيمان التي سردها وذكر خلالها أنه اخذ الإنجيل من المسيح لم يؤكدها أحد وعليه فلا يمكن أن يكون هو المرجعية في تأكيد مصداقية طائفة على الأخرى كما أشار القس إلي أقواله في رسائله فهذا أمر يبعث على الشك خاصة أنه لا يوجد مرجعية أخرى تؤكد أقوال بولس وذكرها القس.

أثبت القس أن هناك طوائف أخرى تلقت تعاليمها من المسيح وإن كانت تختلف مع القس ووصمها بالهرطقة كما فعلت كثير من الكنائس المسيحية ونعني هنا الطائفة الأبيونية. فمن سمات هذه الطائفة كما ذكر القس أنها كانت لا تعترف بإلوهية المسيح وأنه مجرد نبي وكانت تطبق الشريعة اليهودية. وانتقدها القس بناء على رأي بولس الرسول ولكن بالبحث في باقي أسفار العهد الجديد والأناجيل يتضح لنا كثير من المفاجآت. فالمسيح نفسه كان يطبق الشريعة اليهودية بل كان يعلم التوراة في الهيكل ودخل في مساجلات كثيرة مع الفريسيين عن التوراة والشريعة ذكرتها الأناجيل ودفع ضريبة الهيكل مع بطرس والأهم أنه احتفل بعيد الفصح في الوليمة التي سلمه يهوذا بعدها إلى حرس الهيكل. وبعد دفنه لم يذهب التلاميذ إلى قبره إلا في فجر الأحد بسبب أن يوم السبت هو مقدس لدى اليهود وظل التلاميذ يمارسون الشريعة اليهودية في الهيكل واستمر اقتران اليهودية بالمسيحية طوال 70 عامًا حتى حدث الانفصال في أنطاكية وانقسم التلاميذ إلى من ينادون بتطبيق الشريعة اليهودية مع المسيحية وهى كنيسة أورشليم أو رسل الختان والذين ينادون بترك الشريعة بعد فداء المسيح على الصليب وهى كنيسة الأمم أو بولس الرسول وكان بينهم كثير من الخلاف حول هذه النقطة. أي أن المسيح والتلاميذ وفقًا لتعريف القس كانوا من الطائفة الأبيونية بل أن بولس نفسه كان حتى آخر رحلاته إلى أورشليم يتّبع الشعائر اليهودية فحلق رأسه مع أربعة آخرين للتطهير وتقديم القرابين في الهيكل لإيفاء نذر عليهم استجابة لنصيحة يعقوب عميد كنيسة أورشليم حتى يرد على الشائعات التي تقول أنه يدعو لعدم تطبيق الشريعة اليهودية.

يتضح من كل هذه الأدلة أن الطائفة الأبيونية أو المسيحية اليهودية كانت طوال 70 عامًا هى المهيمنة على دعوة المسيح حتى دمار الهيكل وهى تتفق مع الإسلام في كثير من المبادئ مثل رفض التثليث وإلوهية المسيح وعدم على تطبيق الشريعة. فلا مجال للقول بالخلاف بين الإسلام ودعوة المسيح بل صحيح القول أن المسيحية الأممية التي أسسها بولس ويتبع القس مذهبها هى التي في خلاف مع الإسلام ومع النصرانية أصل المسيحية والتي انقرضت لأسباب بعيدة كل البعد عن صحة المعتقد ولكن لأسباب مادية اجتماعية وسياسية.

هذه الخلافات ليس بين مسيحية القس والإسلام بل واليهودية أيضا ويتضح أكثر في حديث المسيح مع الفريسيين عن المرأة التي تزوجت سبع مرات فمن تتزوج في الآخرة. فاليهود يؤمنون بالزواج في الجنة وإذا كان المسيح قد اعترف بالتوحيد اليهودي عند ذكر الوصية العظمى في إنجيل مرقس فهذا يؤكد خلاف مسيحية بولس مع الإسلام وكذلك الأديان السابقة التي يعترف بها.

(1) أبو كريفا العهد الجديد - القس عبد المسيح بسيط أبو الخير - كاهن كنيسة السيدة العذراء الأثرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت