فهرس الكتاب
ج: يستاهل إنه يتقتل ولا لأ. يوضح الإمام الطبري في كتابه"البيان في تفسير القرآن"الجزء الأول ص66 يقول: (السبب الذي جعل عثمان بن عفان يحرق المصاحف الستة الأخرى هو اختلاف المسلمين واقتتالهم على أفضلية النسخ، فكل فئة متمسكة بالنسخة التي لديها) ها يتحاربوا، ها يتقاتلوا، فقالك أحسن حاجة أجمع الرواة ويكتبوا الكتب وإحنا نختار واحد ونحرق الباقي. طب مش جايز يكون أي واحد من اللي إتحرقوا دول النسخة الصح، طب إزاي يحرق ستة، مش المفروض كانوا إستنوا على أساس إنهم تفسيرًا للقرآن بدل ما قعدوا يكتبوا تفاسير ثانية. دي جريمة لكن الواضح إن القرآن كان فيه سبع مصاحف أقرها محمد، سبع نسخ مختلفة.
يبقى بعد كده يقولوا لنا إن الكتاب المقدس اللي في إيديكم محرف علشان خاطر فيه أربعة أناجيل مش إنجيل واحد. لأ نقول أربع أحرف والأحسن جدًا إننا نحتفظ بيهم كلهم مع بعض بدل ما نحرقهم ونخلّي واحد. دي بشارة لحته ودي بشارة لحته.
هكذا أراد القمص بخبث أن يلقي بالكرة في الجانب الإسلامي مستغلًا في ذلك مبدأ معروف في علم المخابرات الحرب الدعائية وهى تنقسم إلى قسمين، الدعاية السوداء وهى اختلاق الأكاذيب والتأكيد عليها حتى يتم إقناع المتلقي بها، كما حدث في غزو العراق عندما ادعت أميركا أن العراق يطور أسلحة نووية والذي ثبت كذبه بعد الحرب. والقسم الثاني الدعاية الرمادية وهى استغلال أحداث وقعت بالفعل ولكن يتم إعادة صياغتها بأسلوب مراوغ به الكثير من الأكاذيب للاستفادة من صحة الوقائع ولكن تستخدم للوصول إلى النتائج التي يرغب فيها من استخدمها. فالقمص استغل واقعة أن القرآن نزل بسبعة أحرف وهى واقعة صحيحة وأعاد صياغتها ولم يشير إلى المصادر الإسلامية التى توضح دواعي حدوثها، وقام هو بتفسيرها على هواه ليصل إلى مبتغاه وهو الدس على الإسلام ومحاولة التشكيك بإدعاءات خاطئة مثل القول أن عثمان جمع الرواة لكتابة مصحف جديد، وكان هناك سبع مصاحف وأنها مثل الأناجيل الأربعة، وغيرها من الهراءات التي ذكرها. لكن بالعودة إلى الواقعة وتفاصيلها الحقيقية المأخوذة من مصادرها الإسلامية الموثوقة سنجدها تأخذنا إلى منعطف ومنحى جديد بعيد كل البعد عن أكاذيب القمص. فما هى حقيقة قصة السبعة أحرف.
(إن حذيفة بن يمان قدم على عثمان بن عفان رضى الله عنهما، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينيا وأذربيجان مع أهل العراق. فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان، يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف فننسخها ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.
وقال عثمان للرهط القريشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا, حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا. وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق) [1] .
هذا هو السبب الحقيقي لما فعله عثمان بن عفان أن يجمع المسلمين على مرجعية القراءة بلهجة قريش أحدى اللهجات السبعة التي نزل بها القرآن ليخفف على من دخل الإسلام من غير العرب ويجهلون لهجات العرب فيعتقد البعض أنها لغات متعددة خاصة أن مرجعية التصويب والتصحيح لم تعد موجودة بعد وفاة الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -. ويؤكد ذلك أن عثمان لم يُعيد كتابة أو جمع المصحف من جديد من أفواه الرواة كما يحاول القمص أن يشكك المسلمين ليدخل في روعهم أنه تلاعب بالمصحف وأن المصحف قد دخل فيه العامل البشري، بل الصحيح أن عثمان أخذ المصحف الذي سبق جمعه في عهد أبو بكر الصديق الخليفة الأول واستخلص منه لهجة قريش ليجمع عليها المسلمين وأعاد المصحف الجامع لكل اللهجات مرة ثانية إلى حفصة. فهو قد ضيق دائرة الاختلاف بين سبعة لهجات إلى لهجة واحدة منها.
(1) فضائل القرآن لابن كثير