فهرس الكتاب
هذا بخصوص اللغات أو اختلاف لهجات العرب فماذا عن القراءات المختلفة(وروى ورقاء عن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب انه كان يقرأ"يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين أمنوا أنظرونا نقتبس من نوركم": للذين امنوا أمهلونا، للذين أمنوا أخرونا، للذين أمنوا أرقبونا. وكان يقرأ"كلما أضاء لهم مشوا فيه"مروا فيه، سعوا فيه.
قال الطحاوي وغيره وإنما كان ذلك رخصة أن يقرأ الناس على سبع لغات وذلك لما كان يتعسر على كثير من الناس التلاوة على لغة قريش وقراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ.
وقد ادعى الطحاوي والقاضي والباقلاني والشيخ أبو عمر بن عبد البر أن ذلك كان رخصة في أول الأمر ثم نسخ بزوال العذر وتيسر الحفظ وكثرة الضبط وتعلم الكتابة) [1] .
ووصل هذا التيسير إلى السماح لدرجة كبيرة بالاختلاف (حكاه الباقلاني عن بعض العلماء أن وجوه القراءات ترجع إلى سبعة أشياء. منها ما لا تتغير حركته ولا تتغير صورته ولا معناه، مثل"ويضيق صدري"ويضيّق ومنها ما لا تتغير صورته ويختلف معناه، مثل"فقالوا ربنا باعد - وباعد - بين أسفارنا"وقد يكون الاختلاف في الصورة والمعنى بالحرف، مثل ننشزها وننشرها أو بالكلمة مع بقاء المعنى مثل"كالعهن المنفوش - كالصوف المنفوش"أو باختلاف الكلمة واختلاف المعاني، مثل"وطلح منضود - وطلع منضود"أو بالتقدم والتأخر مثل"وجاءت سكرة الموت بالحق - أو سكرة الحق بالموت"أو بالزيادة"تسع وتسعون نعجة - أنثى"،"وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين"،"فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم) [2] ."
هكذا وصلت الرخصة اللغوية للتيسير على العرب إلى حد الاختلاف في اللهجات والكلمات والقراءات بل حتى في تكوين الجمل. وقبل أن تساورك الشكوك وتميل إلى رأي القمص، لابد من التذكير أن الرسول كان المرجعية في كل هذه الاختلافات وكان له الرأي النهائي الفصل في القراءة وفق ما تعلمه وحفظه عل يد جبريل. أما بعد وفاة الرسول، كان هذا هو الوضع الذي واجهه عثمان بن عفان وكان من المستحيل استمراره لأنه نذير بفتح باب تهب منه عواصف الاختلاف ونقطة ضعف - لمن لا يعرف لهجات العرب - سيحاول الكثيرون الدخول منها لطعن الإسلام كالذي يقوم به القمص الآن. لذلك كان لابد من اتخاذ موقف تجاه هذه المعضلة وكان قرار عثمان الذي أتخذه بموافقة ومباركة المسلمين (وقد جاء عن عثمان أنه إنما فعل ذلك بعد أن استشار أصحابه، فأخرج ابن أبي داود بإسناد صحيح من طريق سويد بن غفلة قال، قال على: لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا، قال: ما تقولون في هذه القراءة؟ لقد بلغني أن بعضهم يقول قراءتي خير من قراءتك وهذا يكاد أن يكون كفرًا، قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن نجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت) [3] .
ولم تكن موافقة فحسب كما قال ابن جرير (ثم لما رأى الإمام أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى الله عنه اختلاف الناس في القراءة، وخاف من تفرق كلمتهم. جمعهم عل حرف واحد. وهو هذا المصحف الإمام. وإستوسقت له الأمة على ذلك، بل أطاعت ورأت أن فيما فعله الرشد والهداية، وتركت القراءة بالأحرف الستة. التي عزم عليها إمامها العادل في بركها طاعة منها له، ونظرًا منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها، حتى درست من الأمة معرفتها، إنعفت أثارها. فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها لدثورها وعفو أثارها - إلى أن قال: فإن
(1) فضائل القرآن لابن كثير.
(2) فضائل القرآن لابن كثير.
(3) فضائل القرآن لابن كثير.