فهرس الكتاب
قال من ضعفت معرفته وكيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمرهم بقراءتها؟ قيل إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة، لأن القراءة بها لو كانت فرضًا عليهم لوجب أن يكون العمل بكل حرف من تلك الأحرف السبعة) [1] .
لم يقف الأمر عند استحسان المسلمين لما فعله عثمان بل وصل إلى تأييده والدفاع عنه (قال أبو داود الطيالسي وابن مهدي وغندر عن شعبة عن علقمة بن مرتد عن رجل عن سويد بن غفلة قال: قال على حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته) [2] .
وتعدى التأييد من الصحابة إلى العامة (وقال أبو بكر بن أبي داود ثنا أحمد بن سنان ثنا عبد الرحمن ثنا شعبة عن أبي إسحاق عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك أو قال: لم ينكر ذلك منهم أحد) [3] .
أما الإدعاء بأن قتل عثمان بسبب حرقه المصاحف ما عدا مصحف عثمان فقد ثبت كذبه بشهادة كبار الصحابة وجمهور المسلمين ويؤكد هذا ما حدث بعد ذلك في المصحف الجامع والذي كان المصدر الأساسي لمصحف عثمان وكان يجمع السبعة أحرف منذ أن تم جمعه في عهد أبو بكر الخليفة الأول وكانت تحتفظ به حفصة بنت عمر. (حدثنا محمد بن عوف ثنا أبو اليمان ثنا شعيب عن الزهري أخبرني سالم بن عبد الله، أن مروان كان يرسل إلى حفصة يسألها عن الصحف التي كتب معها القرآن فتأبى حفصة أن تعطيه إياها، قال سالم: فلما توفيت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيمة إلى عبد الله بن عمر ليرسلن إليه بتلك الصحف فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر، فأمر بها مروان فشققت. وقال مروان: إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف فخشيت إن طال بالناس الزمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب أو أن يقول إنه قد كان شيء منها لم يكتب) [4] .
ويبدو أن عثمان بن عفان ومروان بن الحكم كانا يتنبأن بالمستقبل فوجد في عصرنا هذا ما كانا يخشياه من محاولة الدس لتضليل المسلمين. فلو كانت هذه الصحف موجودة لفتحت الباب لكثير من أمثال القمص إلى إدخال المسلمين في مهاترات شبيهة بمهاترات مجامع المسيحية الأولى أو ما عرف بالمناقشات البيزنطية والتي كانت وبال على المسيحيين حتى الآن.
يتبقى ما ذكر عن اعتراض عبد الله بن مسعود وهو إما اعتراض على أن يصبح القرآن هذا الجزء اليسير من الوحي (قال عبد الله: لقد قرأت القرآن من في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعين سورة وزيد صبي، أفأترك ما أخذت من في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) [5] . فهو اعتراض من تعود على مصدرية الرسول وقد كان مصاحب له ولم يستطع تقبل مرجعية غيره وهو الأمر الذي شاركه في كثير من الصحابة كما حدث مع أبو موسى الأشعري الذي رفض تسليم ما معه من قرآن إلى عثمان وطلب أن يضيفوا عليه مصحف عثمان فهذا للرعيل الأول الذي تعود على أن كل الوحي هو قرآن.
وإما كان الاعتراض على تجاهله رغم ما لديه من باع في معرفة وحفظ القرآن ولكن كان لعثمان أسبابه (العذر لعثمان في ذلك أنه فعله بالمدينة وعبد الله بالكوفة، ولم يؤخر ما عزم عليه من ذلك إلى أن يرسل إليه ويحضر. وأيضا فإن عثمان إنما أراد نسخ الصحف التي كانت
(1) فضائل القرآن لابن كثير.
(2) فضائل القرآن لابن كثير.
(3) فضائل القرآن لابن كثير.
(4) فضائل القرآن لابن كثير.
(5) فضائل القرآن لابن كثير.