فهرس الكتاب
جمعت في عهد أبو بكر وأن يجعلها مصحفًا واحدًا، وكان الذي نسخ ذلك في عهد أبي بكر هو زيد بن ثابت كما تقدم لكونه كان كاتب الوحي، فكانت له في ذلك أولية ليست لغيره) [1] .
هذه أسباب غضب عبد الله بن مسعود وهى أسباب عاطفية أكثر منها عقلانية منطقية لا ترتبط بالفعل نفسه ولكن بكيفية حدوثه ومن الذي قام به، وتذكر كتب التاريخ عودة عبد الله عن غضبه وموافقته على ما فعله عثمان أو على الأقل لم يكن لغضبه تأثير فيمن حوله.
هذه هى قصة السبعة أحرف كما ذكرتها المصادر الإسلامية التي أغفلها القمص متعمدًا لغرض في نفسه. وكما ترى عزيزي القارئ أن سرد القصة من مصادرها الأصلية تأخذنا بعيدًا عما كان القمص يحاول الإيهام به.
فالقرآن نزل على العرب وكانوا في ذلك الوقت شعب أمي يتحدث لغة غير مكتوبة ولها أبجدية بدائية تعتمد على التصوير الذي يرمز إلى معاني الكلمات مثل اللغة الفرعونية الهيروغليفية المصورة. لذا كان لابد من التسهيل والتيسير على العرب في حفظ وقراءة القرآن كل بلهجته ومفرداته وفهمه. وكان هذا محكوم بمرجعية الرسول سواء في اللهجات أو في اختلاف الكلمات أو في القراءات المتعددة في اللهجة الواحدة أو حتى في النسخ والإزالة. هذه الاختلافات التي أدخلت الشك في قلوب الصحابة وعلى رأسهم عمر بن الخطاب. فما بال غير العرب الذين لا يعرفون اللغة العربية من الأساس.
وبعد وفاة الرسول وافتقاد المرجعية الموثوقة كان لابد من تدخل عثمان بن عفان خاصة بعد زوال أسباب التيسير وانقلابه إلى نقمة، فكان الحل هو الاجتماع على مرجعية لغة أو لهجة قريش فقط دون لهجات المصحف الذي كتب زمن أبو بكر الصديق، فعثمان لم يكتب مصحف جديد بل أخذ من المصحف الجامع المكتوب مسبقًا بسبع لهجات لهجة قريش. وهو الفعل الذي لاقى استحسان الجميع سواء كبار الصحابة أو جمهور المسلمين. وسار على نفس النهج خليفة المسلمين مروان بن الحكم فقام بتمزيق المصحف الجامع الذي كان لدى حفصة بنت عمر، ومع الوقت بقى مصحف عثمان بلهجة قريش المرجعية الأساسية واندثر ما عداه من مصاحف.
واستمر التطور في مصحف عثمان لضبط القراءة فدخل التنقيط ثم دخل التشكيل حتى وصلنا إلى المرحلة الحالية وفيها تتفق القراءة مع المكتوب وزاد الأمر دقة في المصحف المجود الملون الذي يضبط القراءة وفقًا لأحكام التجويد.
ولهذا إذا أردنا أن نشبه ما حدث يكون مثل ورقة تصويب الأسلحة النارية والتي تتكون من عدة دوائر متحدة المركز ومختلفة الأقطار, فكلما دخلنا إلى الدائرة الأصغر تكون الدقة أكبر وهامش الخطأ أقل ورغم ذلك لا يقال أننا خرجنا من الدائرة الأكبر بل لازلنا داخلها.
فأين هذا من أكاذيب القمص الذي حاول أن يقنعنا بها، فعثمان اختار لهجة قريش من لهجات القرآن الموجودة في المصحف الجامع ولم يكتب مصحف جديد من مصادر جديدة. والمصحف الجامع مصحف واحد بسبع لهجات وليس سبع مصاحف مختلفة كما يدعي. والمصاحف متطابقة في كل شيء ولا يمكن أن تكون تفاسير لبعضها.
هذا يختلف جملة وتفصيلًا عن الأناجيل، فالقرآن له مصدر واحد هو الله، ومرجعية واحدة هو الرسول, ووسيلة واحدة هو جبريل أوصلتها إلى الأرض, وبناء واحد وقيم واحدة ولا يوجد اختلاف بينها في الأحكام والقيم والأحداث. الخلاف الوحيد صياغة هذا البناء وفقًا للهجات المختلفة التي كتب بها، وكان الرسول مرجعية لكل هذه الاختلافات اللغوية. أما الإنجيل أو بالأحرى الأناجيل فهى تختلف في كل شيء، فرغم أنها من مصدر واحد وهو المسيح ولكنه ليس مرجعية لها فقد كتبت بعد رفعه بعشرات السنين وغير معروف مصادر معلوماتها والكتاب
(1) فضائل القرآن لابن كثير.