الصفحة 92 من 372

هنا إشارة للتوراة ككلام الله مع إشارة لنوع من التحريف (ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون) . فمن هم المقصودون بقوله (يؤمنوا لكم) ؟ وما هو التحريف المقصود؟ هل هو التحريف بمعنى تغيير أو تبديل أو حذف أو إضافة نقطة أو حرف أو كلمة أو عبارة أو جملة؟ أم هو تحريف بمعنى التفسير أو التأويل على غير المعنى المقصود؟

جاء في تفسير القرآن الكريم لابن كثير: يقول تعالى"أفتطمعون"أيها المؤمنون"أن يؤمنوا لكم"أي ينقاد لكم بالطاعة هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود الذين شاهد أباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه ثم قست قلوبهم من بعد ذلك"وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه"أي يتأولونه على غير تأويله"من بعد ما عقلوه"أي فهموه على الجلية ومع هذا يخالفونه على بصيرة"وهم يعلمون"أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله. هذا المقام شبيه بقوله تعالى"فيما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه".

وهنا يؤكد القرآن أن"فريق منهم"فقط أي اليهود، ويقول ابن كثير أن المتحدث عنهم هم فئة من اليهود"هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود"وأن التحريف المقصود هو التفسير أو التأويل بغير المعنى المقصود"أي يتأولونه على غير تأويله"وليس التحريف بمعناه الحرفي، أي التغيير أو التبديل أو الإضافة أو الحذف.

وقال البيضاوي في تفسيره:"أفتطمعون أن يؤمنوا لكم"أن يصدقوكم، أو يؤمنوا لأجل دعوتكم. يعني اليهود. وقد كان فريق منهم"طائفة من أسلافهم"يسمعون كلام الله"يعني التوراة"ثم يحرفونه"كنعت محمد وأية الرجم"أو تأويله فيفسرونه بما يشتهون.

وجاء في تفسير مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير للرازي: قال القاضي: أن التحريف إما أن يكون في اللفظ أو في المعنى، وحمل التحريف على تغيير اللفظ أولى من حمله على تغيير المعنى، لأن كلام الله تعالى إذا كان باقيًا على جهته وغيروا تأويله فإنما يكونون مغيرين لمعناه لا لنفس الكلام المسموع، فإن أمكن أن يحمل على ذلك كما روى ابن عباس من أنهم زادوا فيه ونقصوا فهو أولى، وإن لم يمكن ذلك فيجب أن يحمل على تغيير تأويله وإن كان التنزيل ثابتًا، وإنما يمتنع ذلك إذا ظهر كلام الله ظهورًا متواترًا كظهور القرآن، فأما قبل أن يصير كذلك فغير ممتنع تحريف نفس الكلام. لكن ذلك ينظر فيه، فإن كان تغييرهم له يؤثر في قيام الحجة به فلابد من أن يمنع الله تعالى منه، وإن لم يؤثر في ذلك صح وقوعه. فالتحريف الذي يصح في الكلام يجب أن يقسم على ما ذكرناه، فأما تحريف المعنى فقد يصح على وجه ما لم يعلم قصد الرسول باحتراز فإنه متى علم ذلك امتنع منهم التحريف لما تقدم من علمهم بخلافه كما يمتنع الآن أن يتأول متأول تحريم لحم الخنزير والميتة والدم على غيرها.

أي أن فئة من اليهود يفسرون كلام الله في التوراة بحسب أهوائهم لا بحسب معناه الذي تصوره المسلمون"كنعت محمد وآية الرجم"أي"تأويله فيفسرونه بما يشتهون".

فالتحريف المقصود، هنا، هو تحريف فريق من اليهود لكلام الله، التوراة، بتأويله بغير معناه، أي تفسيره على هواهم وليس التحريف بمعناه الذي شرحناه سابقًا، أي ليس بتغيير أو تبديل آيات التوراة أو الحذف منها أو الإضافة إليها، إنما فقط، بتفسيرها وتأويلها عل غير معناها. وتبقى التوراة كما هى كلمة الله الصحيحة غير المحرفة. وإلا لما استشهد بما جاء فيها القرآن، كما يقول ابن عباس وغيره [1] .

لعلك لاحظت عزيزي مدى التطابق في كلام القس مع ما ذكره القمص وهو ما يثير التساؤل حول صحة أقوال القمص من أن أرائه نابعة من دراسته للإسلام التي بلغت 60 عامًا. فهل يا ترى هذه الدراسة أخذها من كتب الآخرين ومجهوداتهم أم أن القس هو من أخذ نتاج أبحاث ودراسات القمص ونسبها لنفسه، أو أن الاثنان يرددان ما تعلماه من مدارس الأحد ومؤتمرات الكنيسة.

(1) الكتابُ المقدّس يتحدّي نُقّاده والقائلين بتحريفه - القس عبد المسيح بسيط أبو الخير - كاهن كنيسة السيدة العذراء الأثرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت