الصفحة 93 من 372

ويلاحظ أن القس تفوق على القمص في أنه لم يكتفي بأن يأخذ من التفاسير الإسلامية ما يؤكد وجهة نظره ويهمل باقي التفسير ولكن ذكر كل أقوال المفسر ثم ألقى به جانبًا وعاد ليردد ما يؤمن به فقط متجاهلًا ما هو مدون واستشهد به ويخالف كل أقواله. وحاول القمص والقس بالطرق الغير مشروعة أن يستخدما أقوال المفسرين وشرحهم وسردهم للآراء المختلفة حول الآية لصالحهم فهم ينسبون الأقوال للمفسر نفسه وليس للمصدر الذي أخذ منه القول.

وبعيدًا عن تحريف الآيات القرآنية والتأويل الخاطئ للمفسرين الإسلاميين وبالعودة للمنهج العلمي السليم، نجد أشياء جديرة بالملاحظة عند تفسير آيات القرآن الكريم.

إن هناك كثير من الكلمات تحتمل إما تعبير عن المعنى الحقيقي أو المعنى المجازي للكلمة، كأن يقال"ارتفعت في المنزلة"فهذا تعبير مجازي، ولكن أن يقال"ارتفعت في المصعد"أو"ارتفعت بالطائرة"فهذا تعبير حقيقي عن الارتفاع. وكذلك لابد من الأخذ في الاعتبار أن الآيات في القرآن مرتبطة بما قبلها وما بعدها ولتفسير الآيات وللمعرفة الكلية لها لابد من قراءة الآيات كوحدة واحدة وإلا يكون مثل القائل"لا تقربوا الصلاة".

تأتي الآية في سياق الحديث عن بني إسرائيل وسرد جحودهم لعطاء الله ونعّمه من نقضهم لعهده وقسوة قلوبهم وقتل النفس في قصة البقرة ثم تأتي الآية اعتراضية في إطار جعل المسلمين يفقدون الأمل في إيمان اليهود تماما مثلما ذكّر المسيح اليهود بسوابقهم في قتل الأنبياء [1] .

وعلينا للأمانة العلمية أن نكمل أقوال المفسرين التى أهملها القمص والقس وسنذكر هنا تفسير ابن كثير كمثال لباقي المفسرين خاصة أنهم لا يذهبون بعيدًا عنه في المعلومات والحجج.

يكمل ابن كثير تفسيره عن الآية (قال محمد ين إسحاق حدثني محمد ين أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال ثم قال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ولمن معه من المؤمنين ييؤسهم منهم"أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله"وليس قوله ليسمعون التوراة، كلهم قد سمعها ولكن هم الذين سألوا موسى رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها. وقال محمد بن إسحاق فيما حدثني بعض أهل العلم أنهم قالوا لموسى يا موسى قد حيل بيننا وبين رؤية ربنا تعالى فأسمعنا كلامه حين يكلمك فطلب ذلك موسى إلى ربه تعالى فقال: نعم مرهم فليتطهروا وليطهروا ثيابهم ويصوموا ففعلوا ثم خرج بهم حتى أتوا الطور فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى أن يسجدوا فوقعوا سجودًا وكلمه ربه فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم حتى عقلوا منه ما سمعوا ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل فلما جاءهم حرّف فريق منهم ما أمرهم به وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل إن الله قد أمركم بكذا وكذا قال ذلك الفريق الذين ذكرهم الله إنما قال كذا وكذا خلافًا لما قال الله عز وجل لهم. فهم الذين عنى الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم -. وقال السدي"وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه"قال: هى التوراة حرفوها وهذا الذي ذكره السدي أعم مما ذكره ابن عباس وابن إسحاق وإن كان اختاره ابن جرير لظاهر السياق فإنه ليس يلزم من سماع كلام الله أن يكون منه كما سمعه الكليم موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام وقد قال الله تعالى"وإن أحد من المشركين إستجارك فأجره حتى يسمع كلام الله"أي مبلغًا إليه ولهذا قال قتادة في قوله"ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون"قال أحدهم اليهود كان يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ووعوه. وقال مجاهد الذين يحرفونه والذين يكتمونه هم العلماء منهم، وقال أبو العاليه عمدوا إلى ما أنزل الله في كتبهم من نعت محمد - صلى الله عليه وسلم - فحرفوه عن مواضعه. وقال السدي"وهم يعلمون"أي أنهم أذنبوا، وقال ابن وهب، قال: ابن زيد في قوله"يسمعون كلام الله ثم يحرفونه"قال: التوراة التي أنزلها الله عليهم يحرفونها يجعلون الحلال فيها حرام والحرام فيها حلالًا والحق فيها باطلًا والباطل فيها حقًا، وإذا جاءهم المحق برشوة أخرجوا له كتاب الله وإذا جاءهم المبطل برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب فهو فيه محق، وإذا جاءهم أحد يسألهم شيئًا ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء أمروه بالحق. فقال الله لهم"أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون") .

(1) إنجيل لوقا 11: 39 - 54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت