الصفحة 94 من 372

يتضح من تكملة تفسير ابن كثير عن الآية والذي تجاهله القس أن الآراء تعددت حول معنى التحريف وليس هناك اتفاق على رأي واحد قاطع، وهو ما حدث في تفسير البيضاوي وكذلك تفسير فخر الدين الرازي وأن كل رأي له حجته وليس كما يحاول القمص والقس إيهام المسلمين، لذلك فالفيصل في كل آية وتفسيرها هو موضعها بين الآيات الأخرى. وفي هذه الحالة المرجح هو ما يخص بني إسرائيل وقت موسى. وكذلك ضعف الحجة بالقول أن من يسمع التوراة كأنه سمع القرآن، فهذا يصطدم بالاعتراف بأن التوراة في نفس منزلة القرآن ككلام الله وهو ما سوف يفرض علينا وضعها في إطارها المقدس وأن لله يحفظها كما يحفظ القرآن، فلا مجال إذن لإنكار أحداثها ونصوصها وهو ما يتعارض مع الثابت من أقوال القرآن والرسول والصحابة من وقوع التحريف بها.

لذلك سنأخذ برأي أنهم الفريق الذي ذهب مع موسى لسماع كلام الله فهل التحريف هنا لفظيًا لنص الكلام أم معنوي في تحريف المعنى وتأويله. هنا ثلاث مراحل في هذه الآية. الأولى تقول أنهم يسمعون كلام الله أي أن السماع من مصدر الكلام مباشرة وليس هناك وسيط مكتوب أو غيره. والثانية أنهم يحرفون ما سمعوه من بعد ما عقلوه أي أنهم يفعلون ذلك عمدًا وليس بسبب سوء الفهم. والثالثة وهم يعلمون أن أنهم يفعلونه عمدًا عن سوء نية وليس بسبب الإهمال أو عدم الاعتناء. لذلك يمكن القول أن التحريف كان عن سبق إصرار وترصد.

وتؤكد هذه الآية أن التحريف حدث لكلام مسموع وهو سابق على نزول التوراة فلا يوجد مصدر متداول بين اليهود يمكن تأويله ومحاولة تحريف ولي المعاني كما يحدث من القس والقمص مع القرآن، بل الفريق الذي ذهب مع موسى هو الوحيد الذي سمع الكلام فلا يوجد إلا أمانة النقل هى التي تمنع هذا الفريق من التحريف وأن التغيير حدث للكلام المسموع أي أصل الكلام حرف لفظيًا.

كما أن المقصود بالفريق في هذه الآية هم من ذهبوا مع موسى وهم الذين سمعوا، فهم ليسوا استثناء من اليهود في تحريفهم للكلام والباقي صادق في ذكر كلام الله بل هو اتهام لكل من سمع كلام الله بأنهم حادوا عن الحق بتحريفهم كلام الله عمدًا.

لذلك فهذه الآية تؤكد على أن تحريف كلام الله كان تحريف لأصل الكلام لفظيًا وليس تأويله والمأخوذ من المصدر ذاته ولا يوجد وسيط قد يخطئ في إيصال هذا الكلام وأن التحريف حدث عن سوء نية وعمدًا من الفريق الذي ذهب مع موسى. وهو الرأي الذي ذهب إليه ابن القاضي وذكره فخر الدين الرازي ولم يفهم معناه القس وأشار إليه وهو غير مدرك أنه يناقض كل ما يحاول إقناع المسلمين به.

يحاول القمص بدهاء إقناع المشاهد والقارئ أن التحريف في القرآن هو ما أطلق عليه باللفظ الصريح أنه تحريف وتجاهل مضمون التحريف المطلق سواء اللفظي أو المعنوي والذي سبق للقس شرحه من المصادر الإسلامية في بداية الحديث عن تحريف الكتاب المقدس. والغريب أن القس بعد أن شرح بنفسه معنى التحريف بكل جوانبه انضم إلى القمص في محاولة خداع القارئ وقصر التحريف على ما ذكره القرآن صراحة بلفض التحريف ليوضح أن لا فرق بين رجال الكنيسة في الخداع والكذب والتدليس وأنه مبدأ عام للجميع.

والغرض من هذه المحاولة هو إقناع المشاهد والقارئ عند شرح كل آية أنها نزلت في مناسبة خاصة قاصرة على هذا الحدث وعليه لا يمكن استخلاص حكم عام في الكتاب المقدس مبني على أحداث محدودة في الزمان والمكان متناسين أن هذه الحادثة هى رمز ودليل على فكر معين ومبدأ يستدل به على أخلاق ومبادئ الشخص ومواقفه. مثال أن يقال أن فلان كاذب والدليل كذبه في موقف كذا وكذا. فهذا استدلال على أخلاقه وشخصيته من مواقف محددة ولا يمكن القول أن هذا الشخص كذب في هذه المواقف فقط ولكنه صادق في باقي حياته.

وإذا سلمنا جدلًا بأن مناسبة نزول هذه الآيات هى حوادث خاصة في زمن الرسول ولا يمكن استخلاص منها حكم عام بالتحريف على الكتاب المقدس فالمنطق يقول وأيضا لا يمكن استخلاص حكم عام بعدم تحريف الكتاب المقدس. فنتائج هذه الآيات تظل مرتبطة بها فقط. وإذا أردنا أن نستخلص مبدأ عام مرتبط برأي القرآن في الكتاب المقدس فلابد من البحث في القرآن عن الآيات التي تذكر التحريف باللفظ أو المضمون وفقًا للمعايير التي ذكرها القس من المصادر الإسلامية في شرحه للتحريف وبعد دراستها نستخلص حكم القرآن العام على الكتاب المقدس سواء بنفي أو تأكيد وقوع التحريف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت