فهرس الكتاب
وهنا لابد من التأكيد على شيء هام، أنه مهما اختلفت الوسائل في التغيير لفظًا أو معنًا فإنها تؤدي إلى نفس النتيجة، ولذا لا داعي للقصر على مبدأ البحث عن وقوع تحريف اللفظ وإهمال وقوع تحريف المعنى بالتأويل الخاطئ، فتحريف التأويل أخطر من تحريف اللفظ، ذلك أن تحريف اللفظ يحدث مرة واحدة ويقع ذنبه على معاصريه ومن قاموا به، أما التابعين الذين وجدوا اللفظ على ما هو عليه فلا إثم عليهم. وأما تحريف التأويل فيدل على التعمد في تغيير المعنى والإصرار عليه في كل زمان ومكان وهو ما ذُكر في الآية 75 سورة البقرة {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ، هنا وقع التحريف والتعمد وليس نتيجة الجهل وهو ما يؤكده القرآن أنهم عقلوا الكلام وفهموه ثم حرفوه وهم يعلمون ويتعمدون تغييره.
وتأثير هذا التأويل الخاطئ في الكتاب المقدس شديد الوطأة على المسيحية بعكس الدين الإسلامي. ففي الدين الإسلامي، القرآن والحديث ومراجع الفقه متاحة للجميع ويمكن لهم دراستها والتوصل إلى أراء وأحكام خاصة بالدارس وهو ما تحقق في أراء واستدلالات القمص والقس القرآنية. أما في اليهودية والمسيحية فإن دراسة وشرح الدين والكتاب المقدس مقصور على الكهنة ورجال الإكليروس ولا يحق لشعب الكنيسة التدخل في شروحات الدين ولا يملكون إلا إتباعها وعدم الاعتراض عليها وهذا ما ذكره القرآن في سورة التوبة الآية 31 {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} وهو ما تحقق في بني إسرائيل عندما اتبع الشعب كهنة الهيكل وقتلوا الأنبياء حتى محاولتهم صلب السيد المسيح. واستمر هذا المبدأ مع رجال الدين المسيحي حتى وقتنا هذا عندما أصبحت الكنيسة هى المشرع وهى التي تحدد ما هو الحلال والحرام.
فالكنيسة تتبع توجه رئيسها فقط وتفسيره الخاص والمحدود والذي يتحكم فيه الطباع والأهواء البشرية مثل ما حدث في هرطقة أريوس قديما. فأفكار أريوس كانت لها اليد العليا في زمن صعودها وكان كل من يخالفها مصيره النفي والهروب كما حدث مع إثناسيوس رئيس كنيسة الإسكندرية والذي اختفى حتى تغيرت الظروف السياسية المعاكسة له واستطاع أن يجذب الإمبراطور إلى جانبه فانقلب الحال على أتباع أريوس وأصبحوا هم المطاردين.
وإذا اعتقد القارئ أن هذا كان في الماضي البعيد وإنه كان مرتبط بقضايا عقائدية يكون مخطئًا. فحتى الآن يعاني الأقباط من هذا المبدأ، فمن خلاف البابا شنودة مع الأب متى المسكين حول دور الكنيسة في المجتمع والذي على أثره أقصى الأخير ومن يؤمن بأفكاره عن التأثير في الأقباط واستمر انعزال الأب متى المسكين حتى موته لدرجة رفضه أن يصلي عليه البابا شنودة. إلى قضية الطلاق المثارة دائما، فالكنيسة لظروف خاصة بها وضعت عام 1938م لائحة تجيز الطلاق في حالات معينة، وعندما أصبح البابا شنودة رئيس الكنيسة ألغى هذه اللائحة ووضع شروط جديدة للطلاق ورفض اللائحة القديمة.
والسؤال الآن لماذا لم يرفض البابا الحالي ومن يؤيده هذه اللائحة الملغاة وقت صدورها إذا كانت مخالفة للدين وانتظر حتى تولى رئاسة الكنيسة، وإذا كانت اللائحة غير مخالفة للإنجيل وهناك أوجه متعددة وأفكار متباينة حول شروط الطلاق وكلها تحتمل الصحة ولكل فريق أسانيده وحججه الوجيهة، فلماذا لا يترك للأقباط حرية الاختيار بين الشروط الحالية والشروط القديمة.
لكن هذا هو الاندماج ما بين الرأي الشخصي الذي تحول إلى حكم عام مقدس لمجرد أن صاحبه يجلس على كرسي الرئاسة وأصبح حكمه أعلى من حكم الكتاب المقدس وأخذ وكالة من السماء بالتحليل والتحريم.
هذه كانت ملاحظات عمومية قبل التوسع في الرد على محاولات القس والقمص نفي صفة التحريف عن الكتاب المقدس، وهم لا يعلمون أن محاولاتهم هذه عن طريق إصرارهم على خلط الأوراق وإدعائهم لأشياء لا صحة لها، فهم من حيث لا يدرون يتخبطون أكثر ويؤكدون صدق الإدعاء بالتحريف فكأنهم - بالتأويل والكذب على القرآن - أصبحوا كمن سقط في شبكة عنكبوت كلما زادت حركتهم كلما التفت خيوطها حولهم أكثر لينهي ذلك في النهاية أكاذيبهم.