الصفحة 32 من 36

الموعظة التاسعة

النار دار الأشقياء

الحمد لله رب العالمين أمر بتقواه وأخبر أن من اتقاه وقاه وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا رب لنا سواه ولا نعبد إلا إياه وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله أكرم الخلق على الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه وسلَّم تسليمًا كثيرًا أما بعد

فيقول سبحانه وتعالى: [وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] [آل عمران: 131 - 132] . ويقول تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ] [التحريم: 6] .

اتقوا النار يا عباد الله وامتثلوا لأوامر الله ورسوله ? ففيهما النجاة منها فهي دار البوار والبؤس والشقاء والعذاب الشديد مصير من لا يؤمن بالله واليوم الآخر سُكَّانها شرار الخلق من الشياطين واتباعهم من الإنس والجن قال تعالى مخاطبًا إبليس: [فَالحَقُّ وَالحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ] [ص: 84 - 85] .

النار دار رؤوس الكفر والنفاق دار فرعون وهامان وقارون وأبي جهل وأُبي بن خلف وغيرهم كثير من الطغاة والفجَّار مكانها بعيدٌ في أسفل السافلين لها دركات أسفلها دار المنافقين فيها السعير ولظى والحطمة والهاوية وغيرها طعامها الزقوم وأشجارها كأنها رؤوس الشياطين مُرة الطعم والذوق كريهة المنظر قال تعالى: [لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ] {الغاشية:7} . وقال النبي ?: «اتقوا الله حق تقاته فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم» [1] هذا طعامهم إذا جاعوا وإذا أكلوا ازدادوا عطشًا وبحثوا عن الماء قال تعالى: [وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا] {الكهف:29} . وإذا أراد أن يشرب من هذا الماء سقطت فروة شعره ولحمة وجهه وإذا شرب أهل النار من هذا الماء قُطِّعت أمعاؤهم ومُزِّقت جلودهم وانسلَ ما في بطونهم ويخرج من أدبارهم وهو مضطرٌ على فعل ذلك قال تعالى: [يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَاتِيهِ المَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ] {إبراهيم:17} . وأما لباسهم يشتد عليهم الحرارة والعذاب قال الله تعالى: [سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ] {إبراهيم:50} ، قال تعالى: [يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ] [الحج: 19 - 22] .

النار حرها شديد وقعرها بعيد، نارها تفوق نار الدنيا بتسعة وستين جزءا لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى سوداء مظلمة عذابها شديد يتمنى أهلها الخلاص والراحة من العذاب ولو لحظة فينادون خزنة جهنم: [ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ العَذَابِ] {غافر:49} فترد عليهم الملائكة: [أَوَلَمْ تَكُ تَاتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ] {غافر:50} فلا يستجاب لهم لأنهم لم

(1) رواه الترمذي والنسائي وصححه الألباني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت