الصفحة 40 من 255

... 00 على هذا الفهم الصحيح اندفع الإخوان كما اندفع المسلمون الأوائل، الذين لم يعللوا أنفسهم بالأمانى ولم ينتظروا أن ينصرهم الله بطريقة سحرية غامضة الأسباب! فظهر منهم من روائع الأعمال، من صبر عند الشدائد، وصدق عند اللقاء، وبذل وتضحية عندما تتطلب أمور المسلمين البذل والتضحية، وسعى دائب في طلب المعاش ثم الرزق بعد ذلك بيد الله لا بيد أحد سواه، وضرب في الأرض يفتحون البلدان ويعمرونها، ويزبحون عن الطريق أعداء الله وأعداء الإنسان، وكان العمل الدائب المستمر على أساس من الكفاية التامة في كل ناحية من نواحى الحياة - اقتصادية وسياسية واجتماعية - فأرغموا العالم على أن ينحو نحوا جديدا ويتخذ مسيرا على منهج الله لا مكان فيه للأهواء والأغراض والعصبيات ولا مجال فيه للأثرة والأنانية، ذلك هو العهد الإسلامى الذى لا يزال غرة في جبين التاريخ 0

... لقد علمنا - رضى الله عنه - أن مدلول التوكل لابد أن يقوم على فهم عميق لهذا الدين، وأن الله سبحانه وتعالى يساعد من يجاهد للهدى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) (1) ، وأنه يغير حال الناس حين يغيرون ما بأنفسهم، وأنه لا يغير ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم: (أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (2) ، فهناك علاقة لا تنفك بين الجهد البشرى الذى يبذله الناس، وعون الله ومدده الذى يسعفهم به، فيبلغون به ما يجاهدون فيه من الخير والهدى والصلاح والفلاح. فإرادة الله هى الفاعلة في النهاية، وبدونها لا يبلغ (( الإنسان ) )بذاته شيئا، ولكن هذه الإرادة تعين من يعرف طريقها، ويستمد عونها، ويجاهد في الله ليبلغ رضاه 0

... وقد ارتبط هذا الفهم للتوكل ارتباطا وثيقا بقوة الدولة الإسلامية الأولى وتبوئها مكان الصدارة بالنسبة لدول الأرض وشعوبها، فكانت خير أمة أخرجت للناس 0

(1) سورة العنكبوت: 69

(2) سورة الرعد: 11

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت