فهرس الكتاب
... وإذا تقرر هذا فقد اتفق السلف والخلف على أصل التأويل، وانحصر الخلاف بينهما في أن الخلف زادوا تحديد المعنى المراد حيثما ألجأتهم ضرورة التنزيه إلى ذلك حفظا لعقائد العوام من شبهة التشبيه، وهو خلاف لا يستحق ضجة ولا إعناتًا 0
ترجيح مذهب السلف:
... ونحن نعتقد أن رأى السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعانى إلى الله تبارك وتعالى أسلم وأولى بالاتباع، حسما لمادة التأويل والتعطيل؛ فإن كنت ممن أسعده الله بطمأنينة الإيمان، وأثلج صدره ببرد اليقين فلا تعدل به بديلا ونعتقد إلى جانب هذا أن تأويلات الخلف لا توجب الحكم عليهم بكفر ولا فسوق، ولا تستدعى هذا النزاع الطويل بينهم وبين غيرهم قديمًا أو حديثًا، وصدر الإسلام أوسع من هذا كله. وقد لجأ أشد الناس تمسكًا برأى السلف، رضوان الله عليهم، إلى التأويل في عدة مواطن، وهو الإمام أحمد بن حنبل ضى الله عنه؛ من ذلك تأويله لحديث: (( الحجر الأسود يمين الله في أرضه ) ) (1) وقوله صلى الله عليه وسلم: (( قلب المؤمن من بين إصبعين من أصابع الرحمن(2) وقوله صلى الله عليه وسلم: (( إنى لأجد نفس الرحمن من جانب اليمين(3) "0"
... وقد رأيت للإمام النووى رضى الله عنه ما يفيد قرب مسافة الخلاف بين الرأيين مما لا يدع مجالا للنزاع والجدال ولاسيما وقد قيد الخلف أنفسهم في التأويل بجوازه عقلا وشرعًا بحيث لا يصطدم بأصل من أصول الدين0
... قال الرازى في كتابه (( أساس التقديس ) ): (( ثم إن جوزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم نجز التأويل فوضنا بها إلى الله تعالى، فهذا هو القانون الكلى المرجوع إليه في جميع المتشابهات، وبالله التوفيق ) )0
(1) قال العراقى: رواه الحاكم وصححه من حديث عبد الله بن عمر 0
(2) رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو 0
(3) قال العراقى: رواه أحمد من حديث أبى هريرة في حديث قال فيه: (( وأجد نفس ربكم من قبل اليمن ) )ورجاله ثقات0