وقد أظهرت مؤتمرات السكان في بكين والقاهرة مدى الصراع والانقسام بين قيم وتوجهات الغرب والعالم الإسلامي. وفي الحقيقة نجد أن الصراع الذي يبرز في المؤتمرات العالمية الموسمية يعكس صراعًا يوميًا في أجهزة ومؤسسات التخطيط الاجتماعي في كل من الأقطار العربية. وتعمل هنا منظمات الأمم المتحدة والتكنو قراط المتأثرون بالأفكار الغربية وغيرهم جنبًا إلى جنب في تحقيق التوجهات الغربية، ولكن على أساس الحذر والتحفظ باعتبار أن ما يجري يتم بإذن ورقابة سلطة الدولة القطرية ذات النزعة المحافظة والتقليدية، ولا شك أن تطويرمفاهيم وقناعات حول التخطيط السكاني والأسري، ومواضيع لتربية الجنسية وتنظييم النسل .. الخ.. يتأثر بالتأرجح بين المحافظة والراديكالية في منظور الدولة القطرية. ومن المتوقع أن تخطو الأقطار العربية المختلفة بسرعات متفاوتة في اتجاه تطبيق القيم العالمية الحالية، الغربية المنشأ على واقع مجتمعاتها. وربما قاد التطبيق المتسرع أو المتعسف إل تنشيط النزعات المحافظة اجتماعيًا، والتي تنحو سياسياُ منحى ثوريًا. واقتران الثورية السياسية بالمحافظة الاجتماعية والسلفية هو من سمات التطور الاجتماعي السياسي في الأقطارالعربية حاليًا. من ناحية آخرى من المتوقع أن يتصاعداتجاه التحضر وتقلص الأرياف في الأقطار العربية. وفي ظل المعادلات الحالية فإن هذا الاتجاه يؤدي إلى توسيع شريحة فقراء المدن، مما يؤدي إلى ضغوط تؤدي بدولها إلى المزيد من التفكك الأسري: وظهور نظام الأسرة وحيدة العائل ــ غالبا ما يكون الأم ــ جنبًا إلى جنب مع الأشكال المعتادة من الأسرة خلال هذا القرن. وسيؤثر هذا التطور على تنشئة الأطقال، الذين سيكون حظهم من رعاية الأموين المباشرة والأسرة الممتدة أقل مما هو الحال بالنسبة لأطفال اليوم. ربما كانت سرعة هذه التطورات السلبية أكبر إذا بدأ نضوب النفط في القرن القادم وربما كانت سرعة هذه التطورات قد تخلق بدورها بعض التكيفات الناجحة، والتي من شأن بعضها تقوية النسيج الاجتماعي والإسهام في الإبطاء بتيارات التفكك [26] ـ عموما فمن المتوقع أن تؤدي التغييرات الكبيرة في شكل النظام الأسري التقليدي والخروج المتزايد للنساء للعمل إلى تغييرات في نظم القيم الاجتماعية؛ خاصة في المراكز الحضرية. وإزاء هذه التطورات، والتأثيرات المتصاعدة لتسرب القيم الغربية إل جسم الثقافة الإسلامية، فمن المتوقع أن يتطور المزيد من إعادة تفسير التراث الديني، وتقديم صيغات فكرية جديدة، وتشريعات مستحدثة تحقق المزيد من التوفيق بين الواقع الاجتماعي المتغير والنظم الثقافية القيمية التقليدية. ويمكننا الآن ملاحظة بعض البوادر في النصف الأخير من القرن العشرين في الاتجاه نحو تعديل قوانين الأحوال الشخصية بواسطة علماء الشريعة أنفسهم، لتسمح بالمزيد من المرونة في منح المرأة حق العمل والطلاق واختيار الزوج.
خاتمة/ المعطيات والتوجه المستقبلي:
تحدد الثقافة غايات الحركة الاجتماعية، وبالتالي قإن ما يتحقق بالفعل في المستقبل يكون جزئيًا من نتائج تأثيرها وإيماءاتها، ويمكن أن يرد إليها النجاح أو القصور في تحقيق ما يهدف إلى تحقيقه المصلحون والقادة الاجتماعيون والسياسيون والاقتصاديون ..الخ.. ويمكن القول مثلاأن الذهنية الثقافية في العالم الغربي في القرن التاسع عشر كانت من بين أهم من ساهم في تحقيق واقع هذا العالم في القرن العشرين. وليس من المبالغة اتهام الناقدين لها بأنهاقد لعبت دورًا في قصور القوى الاجتماعية والسياسية في بلوغ ما كانت ترمي إليه من أهداف تنموية وتحريرية، ومن تقدم علمي وتحقيق للتماسك الاجتماعي والسياسي، وتوفير القوة اللازمة لتحقيق الأمن والانتصار في المعارك العسكرية مع القوى المناوئة للعالم العربي، وتحقيق واقع التسامي والعدالة مع المجموعات ذات الثقافات عير العربية الداخلة في التكوين الثقافي والسياسي لهذا العالم العربي.
وما ذكر هنا عن واقع القرن العشرين يمكن أن ينطبق على اتجاه التطور في القرن الحادي والعشرين . وإذا كان منظور التفاؤل ، إصلاحيًا كان أم ثوريًا ، يسعى ويِؤمن بإمكانية تحقيق عدد من الأجندة في المستقبل مثل إقامة قيم الخيروالجمال في الواقع وتحقيق الوحدة في إطار كل قطر وإيقاف الحروب الأهلية ، وأشكال الاجتماعي السياسي بين القوميات المختلفة داخل العالم العربي بين الوحدات الإقليمة الكبيرة ، مثل وادي النيل، المغرب العربي، الشام ، الخليج وشبه الجزيرة العربية ،وكذلك الوحدة بين هذه الأقاليم والأقطار الداخلية فيها، وإلى الأمن والحماية من عدوان الدول الكبرى وإسرائيل، وحتى بعض الدول الإسلامية إيران وتركياـ التي تهدد جاراتها العربيات، وتحقيق التقدم التقني والعلمي ، وتنيمة المعارف والفنون، والساهة في الإبداع الإنساني، ورفع المستوى المعيشي والصحي، وذيادة دخلهم وخلق الحياة الروحية والذهنية الراقية .. الخ .. غير أن منظور التشاؤم تسنده مؤشرات في واقع نهاية القرن العشرين، يمكن أن يرى وجود إحتمالات قوية لتحقيق العكس . المزيد من التجزئ والفقر والحروب الداخلية وازدياد قبضة القيم السلبية التعصب الديني والطائفي والعرقي، وأزدياد مساحات الحرمان والضياع، وتحقيق المزيد من النجاح للمشاريع الاستعمارية التي تهدف إلى السيطرة على الموارد والثروات والتجارة، وكذلك المزيد من النجاح للمشروع الصهيوني وترسيخه في فلسطين وتنامي سيطرتهم السياسية والاقتصادية في الأقطار العربية المختلفة. كذلك أن يؤدي زوال أنظمة ( الواقع الراهن) المستقرة نسبيًا إلى مزيد من الانفراط والانفلات السياسي والاجتماعي ــ وهكذا.