، حتى تبدأ عدة أخرى فتطول عليها العدة فتنتظر مدة طويلة قبل أن يصح لها أن تتزوج غيره، فنهاهم الله عن ذلك، وتوعدهم عليه بقوله: (( ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ) ) [1] أي ظلم نفسه بمخالفته أمر الله تعالى، لأنه يعرض نفسه لعقاب الله سبحانه [2] .
ووجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة على حرمة التعسف في استعمال الحق، أن رجعة الزوجة حق من الحقوق التي يملكها الزوج على زوجته ما دامت في عدتها من طلاق رجعي [3] ، وقد دعا الله تبارك وتعالى إلى أن يستعمل الزوج حقه في ذلك استعمالا مشروعا، وهو أن يمسكها في عصمته إذا كان ذلك مصحوبًا بالمعاشرة الحسنة، ونهى الله عز وجل عن أن يستعمل الرجل حقه في ذلك بصورة غير مشروعة، هذه الصورة غير المشروعة هي أن يمسكها في عصمته وهو يريد بذلك الإضرار بها، وهذا هو الإساءة في استعمال الحق.
ومن آيات الكتاب الكريم أيضا التي تدل على حرمة التعسف في استعمال الحق قول الله سبحانه وتعالى بعد أن بين سبحانه نصيب كل من الزوجين والأخوة لأم من الميراث: (( من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله ) ) [4] ، ومعنى هذا النص الكريم- والله أعلم- يجب أن تكون وصية الإنسان محققة للعدل لا أن تكون قد حصلت للأضرار والجور والحيف كأن يوصي الشخص بحرمان بعض ورثته، أو ينقصه عن حقه في الميراث، أو يزيده على المقدار الذي قدره الله عز وجل له [5] .
ووجه الاستدلال من هذا النص الكريم على تحريم التعسف في استعمال الحق أن الوصية مع أنها حق للمورث فإنه لا يجوز له أن يستعمل حقه فيها إلا على وجه مشروع، كأن يوصي ببعض ماله في وجه من وجوه الخير في حدود ثلث أمواله، ولا يجوز له أن يستعمل هذا الحق بطريق غير مشروع، كأن يوصي بزيادة بعض الورثة عن باقيهم، أو يحرم البعض مما له من الميراث، أو ينقصه عنه، أو يقر بدين غير حقيقي حتى يضار الورثة، فمثل هذه الوصايا التي فيها إضرار بالورثة ممنوع منها، وهي إساءة لاستعماله لحقه في الوصية.
الدليل من السنة:
وأما الدليل من السنة النبوية الشريفة على تحريم التعسف في استعمال الحق، فمنها ما روي عن عبد الله بن مسعود قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له) رواه أحمد والنسائي والترمذي، وصححه الترمذي.
(1) سور البقرة: الآية رقم231.
(2) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج1 ص280 - 281.
(3) ينقسم الطلاق 'إلى قسمين: رجعي وبائن.
فالطلاق الرجعي هو الذي يكون من حق الزوج بعده أن يعيد المطلقة إلى الزوجية من غير أن يحتاج في ذلك إلى عقد جديد، ما دامت المرأة لم تنته من العدة وهي المدة التي يجب أن تنتظرها المرأة قبل أن تتزوج غيره؛ ولا يتوقف إعادتها إلى الزوجية - ما دامت في العدة - على رضا الزوجة أو رضا وليها، فسواء رضيت المرأة أو لم ترض؛ أو رضي وليها أو لم يرض، فمن حق الزوج أن يعيدها إلى الزوجية بدون عقد جديد بشرط أن يكون ذلك في العدة.
وعدة المطلقة تختلف باختلاف حال المرأة، فإذا كانت ممن تأتيها الدورة الشهرية فعدتها تنتهي بالتطهر من الحيضة الثالثة، وإذا كانت لا تأتيها الدورة الشهرية بأن كانت صغيرة لم تبلغ أو بلغت سن اليأس فعدتها تنتهي بثلاثة أشهر، وأما إذا كانت المطلقة حاملا فعدتها تنتهي بوضع الحمل.
وأما الطلاق البائن فهو إما أن يكون بائنا بينونة صغرى، أو يكون بائنا بينونة كبرى. فالبائن بينونة صغرى هذا الذي لا بكون من حق الزوج بعده أن يعيد المطلقة إلى الزوجية إلا إذا عقد عليها عقدا جديدا.
ويكون هذا الطلاق إذا لم يكن لثالث مرة، وله حالات متعددة، كأن يكون الزوج قد طلقها قبل الدخول، فتبين المرأة منه بهذا الطلاق بينونة صغرى، أو يكون قد طلقها على أن يأخذ قبل الدخول، فتبين المرأة منه بهذا الطلاق بينونة صغرى، أو يكون قد طلقها على أن يأخذ منها مالا في مقابل الطلاق ولم يكن مكملا للطلقات الثلاث وهو يسمى الخلع، فتبين أيضًا منه بينونة صغرى، أو يكون طلاقًا حكم به القاضي بعد طلب الزوجة، لوجود عيب من العيوب التي تمنع الاستمتاع كقطع عضو التذكير أو عدم انتشاره أو طلقها القاضي لإضرار الزوج بالزوجة فتبين الزوجة بهذا الطلاق بينونة صغرى.
وأما الطلاق البائن بينونة كبرى فهو الطلاق للمرة الثالثة وحكمه أنه لا يجوز للزوج أن يعيدها إلى الزوجية إلا بعد أن تتزوج غيره، ويدخل بها الثاني دخولا حقيقيا ثم يفارقها بالطلاق أو بالموت، وتنتهي عدتها منه، ويعقد عليها الأول من جديد، بدون أن يكون ذلك باتفاق، وإلا كان زواج المحلل، وزواج المحلل لا يجوز شرعا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن المحلل والمحلل له. وإذا كان الطلاق رجعيا سميت المنطلقة رجعية، وأما إذا كان بائنا فتسمى المطلقة بائنا.
(4) سورة النساء: الآية رقم12.
(5) تفسير القرآن العظيم لابن كثيرج1ص641.