فهرس الكتاب
وأما كمال معرفته ومحبته للنبي صلى الله عليه وسلم وتصديقه له، فهو مبرز في ذلك على سائرهم تبريزًا باينهم فيه مباينة لا تخفى على من كان له معرفة بأحوال القوم، ومن لا معرفة له بذلك لم تقبل شهادته.
وأما نفعه للنبي صلى الله عليه وسلم ومعاونته له على الدين فكذلك.
فهذه الأمور التي هي مقاصد الصحبة ومحامدها، التي بها يستحق الصحابة أن يفضلوا بها على غيرهم، لأبي بكر فيها من الاختصاص بقدرها ونوعها وصفتها وفائدتها ما لا يشركه فيه أحد.
ويدل على ذلك ما رواه البخاري عن أبي الدرداء، قال كنت جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبتيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما صاحبكم فقد غامر فسلم) . وقال: إن كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه، ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي، فأبى علي، فأقبلت إليك، فقال: (يغفر الله لك يا أبا بكر) ثلاثًا. ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أثم أبو بكر؟ قالوا: لا 0فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعر، حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه، وقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم. مرتين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت. وقال أبو بكر: صدق. وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي"مرتين. فما أوذي بعدها).
تعليق
في هذا الموضع يبين شيخ الإسلام فضل أبي بكر على غيره من الصحابة - ومنهم علي -، وأن له من الفضائل ما لم يشركه فيها أحد، بخلاف علي، وقد مر مثل هذا.
الموضع السابع والأربعون: قال شيخ الإسلام:
(قوله:(وما لأحد عنده من نعمة تجزى) وهذه لأبي بكر ودون علي، لأن أبا بكر كان للنبي صلى الله عليه وسلم عنده نعمة الإيمان أن هداه الله به، وتلك النعمة لا يجزى بها الخلق، بل أجر الرسول فيها على الله، كما قال تعالى: (قل مآ أسئلكم عليه من أجر ومآ أنا من المتكلفين) ، وقال (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجرى إلا على الله) .
وأما النعمة التي يجزى بها الخلق فهي نعمة الدنيا، وأبو بكر لم تكن للنبي صلى الله عليه وسلم عنده نعمة الدنيا، بل نعمة دين، بخلاف علي، فإنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم عنده نعمة دنيا يمكن أن تجزى.
الثالث: أن الصديق لم يكن بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم سبب يواليه لأجله، ويخرج ماله، إلا الإيمان، ولم ينصره كما نصره أبو طالب لأجل القرابة، وكان كاملًا في إخلاصه لله تعالى، كما قال: (إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى(20) ولسوف يرضى).
وكذلك خديجة كانت زوجته، والزوجة قد تنفق ما لها على زوجها، وإن كان دون النبي صلى الله عليه وسلم.
وعلي لو قدر أنه أنفق، لكان على قريبه، وهذه أسباب قد يضاف الفعل إليها بخلاف إنفاق أبي بكر، فإنه لم يكن له سبب إلا الإيمان بالله وحده، فكان من أحق المتقين بتحقيق قوله: (إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) .
تعليق
يرد شيخ الإسلام في هذا الموضع على زعم الرافضي بأن آية (وسيجنبها الأتقى) .. الآية لم تنزل في أبي بكر، ثم وضح أن أبا بكر - رضي الله عنه - له من بذل المال في سبيل الدعوة ما ليس لعلي - رضي الله عنه-، وقد مر مثل هذا الموضع.
الموضع الثامن والأربعون: قال شيخ الإسلام: