"فهذا القسم قد كثر في دول الملوك إذ هو واقع فيهم وفي كثير من أمرائهم وعلمائهم وعبّادهم - أعني أهل زمانهم - وبسببه نشأت الفتن بين الأمة ، فأقوام نظروا إلى ما ارتكبوه من الأمور المنهي عنها فذموهم وأبغضوهم ، وأقوام نظروا إلى ما فعلوه من الأمور المأموربها فأحبوهم ، ثم الأولون ربما عدوا حسناتهم سيئات والآخرون ربما جعلوا سيئاتهم حسنات" (1) .
ومن كلامه - رحمه الله - وكأنه بيان وايضاح لما عليه كبار علمائنا حفظهم الله من بعض الاجتهادات التي قد يستنكرها بعض الناس لأول وهلة - قوله رحمه الله:
"ففرق بين ترك العالم لنهي بعض الناس عن الشيئ إذا كان في النهي مفسدة راجحة، وبين إذنه في فعله" (2) .
... فرق بين ترك العالم النهي عن المنكر إذا كان فيه مفسدة راجحة ، فيترتب عليه منكر أعظم منه ، وبين إذنه في فعله .
ثم قال - رحمه الله:
"وهذا يختلف باختلاف الأحوال ، ففي حال أخرى يجب إظهار النهي ، إما لبيان التحريم واعتقاده والخوف"
من فعله ، أو لرجاء الترك ، أو لإقامة الحجة بحسب الأحوال ، ولهذا تنوع حال النبي- صلى الله عيه وسلم -
في أمره ونهيه وجهاده وعفه ، وإقامته الحدود ورحمته" (3) ."
السبب الثالث: غياب المنهج الصحيح واتباع المتشابه:
قال تعالى: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ } (آل عمران /7 ) .
روى ابن جرير في"تفسيره":
(1) -"مجموع الفتاوى" (35/30 ) .
(2) -"مجموع الفتاوى" ( 35/32 ) .
(3) - المصدر السابق .