عن قتادة أنه كان إذا قرأ هذه الآية: { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } قال: إن لم يكونوا الحرورية والسبائية فلا أدري من هم !!
ولعمري لقد كان في أهل بدر والحديبية الذين شهدوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيعة الرضوان من المهاجرين والأنصار خبرٌ لمن استخبر ، وعبرة لمن استعبر ، لمن كان يعقل أو يبصر .. إن الخوارج خرجوا وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ كثيرٌ في المدينة والشام وأزواجه يومئذ أحياء ، والله إن (1) خرج منهم ذكر ولا أنثى حروريًا قط ، ولا رضوا الذي هم عليه ، ولا مالأوهم فيه ، بل كانوا يحدثون بعيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ونعته الذي نعتهم به ، وكانوا يبغضونهم بقلوبهم ، ويعادونهم بألسنتهم ، وتشتد - والله - عليهم أيديهم إذا لقوهم .
ولعمري لو كان أمر الخوارج هدىً لاجتمع ، ولكنه كان ضلالًا فتفرق ، وكذلك الأمر إذا كان من عند غير الله وجدت فيه اختلافًا كثيرًا فقد ألاصوا (2) هذا الأمر منذ زمان طويل ، فهل أفلحوا فيه يومًا أو أنجحوا ؟
يا سبحان الله ! ، كيف لا يعتبر آخر هؤلاء القوم بأولهم ؟ لو كانوا على هدى ، فقد أظهره الله وأفلجه ، ونصره ، ولكنهم كانوا على باطل أكذبه الله وأدحضه ، فهم كما رأيتهم ، كلما خرج لهم قرن أدحض الله حجتهم ، وأكذب أحدوثتهم ، وأهرق دماءهم ... إن كتموا كان قرحًا في قلوبهم ، وغمًا عليهم ، وإن أظهروه أهرق الله دماءهم ... ذاكم - والله - دين سوء فاجتنبوه ، والله إن اليهودية لبدعة ، وإن النصرانية لبدعة ، وإن الحرورية لبدعة ، وإن السبئية لبدعة ما نزل بهن كتاب ولا سنّهن نبي"أ . هـ (3) ."
وفي الآية الكريمة المشار إليها سابقًا:
(1) - ( إن ) بمعنى ( ما ) النافية .
(2) - أي: أداروه .
(3) -"جامع البيان" ( 3/187 ) .