الصفحة 105 من 585

فيقال له هذا متفق عليه بين المسلمين من حيث الجملة أن الله لا يفعل قبيحا ولا يظلم أحدا ولكن النزاع في تفسير ذلك فهو إذا كان خالقا لأفعال العباد هل يقال إنه فعل ما هو قبيح منه وظلم أم لا، فأهل السنة المثبتون للقدر يقولون ليس هو بذلك ظالما ولا فاعلا قبيحا والقدرية يقولون لو كان خالقا لأفعال العباد كان ظالما فاعلا لما هو قبيح منه وأما كون الفعل قبيحا من فاعله فلا يقتضي أن يكون قبيحا من خالقه كما أن كونه أكلا وشربا لفاعله لا يقتضى أن يكون كذلك لخالقه لأن الخالق خلقه في غيره لم يقم بذاته فالمتصف به من قام به الفعل لا من خلقه في غيره كما أنه إذا خلق لغيره لونا وريحا وحركة وقدرة وعلما كان ذلك الغير هو المتصف بذلك اللون والريح والحركة والقدرة والعلم ... وإذا خلق الإنسان هلوعًا جزوعًا كما أخبر تعالى بقوله: {إِنَّ الإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [1] لم يكن هو سبحانه لا هلوعًا ولا جزوعًا ولا منوعا كما تزعم القدرية [2] أنه إذا جعل الإنسان ظالما كاذبا كان هو ظالما كاذبا تعالى عن ذلك وهذا يدل على قول جماهير المثبتين للقدر القائلين بأنه خالق أفعال العباد فإنهم يقولون إن الله تعالى خالق العبد وجميع ما يقوم به من إرادته وقدرته وحركاته وغير ذلك) [3] .

(1) المعارج/ 19 - 21.

(2) القدرية هم نفاة القدر الذي يزعمون أن العبد هو الذي يخلق فعله استقلالا فأثبتوا خالقا مع الله تعالى! لذلك سموا مجوس هذه الأمة، لأن المجوس قالوا: بإثبات خالقين النور والظلمة، الفرق بين الفرق / 114، الملل والنحل 1/ 43، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان /49.

(3) المنهاج 2/ 294، 295.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت