ويدل على هذا الميزان الذي قامت عليه السماوات والأرضين دلالة واضحة؛ حديث البطاقة الذي يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يأتي يوم القيامة بتسع وتسعين سجلا من الذنوب والخطايا والموبقات فتوضع في الميزان حتى إذا ما عاين الهلاك وتيقنه؛ جيىء ببطاقة التوحيد الذي حققه ذلك الرجل فترجح بتلكم السجلات جميعا ..
فهكذا ميزاننا أهل التوحيد؛ وبهذا نزن الكتابات والمقالات والكتاب والعلماء والناس أجمعين .. لا نقدم على تحقيق كلمة التوحيد شيئا من الأشياء .. فمن حققها وقام بها نال الزلفى عندنا وله العذر كما هي طريقة أهل السنة فيما أخطأ به أو تأوله في سائر فروع الدين، ولا يمنع هذا كما قلنا من بيان خطئه أو التنبيه على زلله؛ ومن ثلم هذا الأصل أو هدمه فهو المبعد عندنا المؤخر وإن عظمه الناس وقدموه، ولا يمنعنا من التحذير من ضلاله وبيان خطله وزيغانه تعدد ألقابه أو عظم عمامته وشهادته!!
وإهمال هذا الميزان عند كثير من الفرق والطوائف جعلهم يتخبطون في الموازين والتصورات ويتأرجحون في جرح وتعديل الرجال والجماعات .. فترى الواحد منهم يمدح الرجل فما أحسنه عنده وما أعدله!! هو سلفي العقيدة ـ كذا ـ لمجرد أن حفظ أوفهم قول أهل السنة في باب الأسماء والصفات؛ ولا يضر عندهم مع ذك أن يشرك بالله شركا صراحا بل لا يضر عند أكثرهم لو كان طاغوتا مشرعا معبودا من دون الله محاربا لدين الله!! فهو ولي أمرهم وإمامهم!! بل هو عندهم إمام المسلمين!! أليس هو سلفي العقيدة كما يفهمون؟! وكأن المسألة قد صارت عندهم مسألة معرفة واعتقاد وحسب .. ولا أثر فيها للعمل والقصد والتوجّه والإرادة والتلقي والطلب!!
والعكس بالعكس عندهم؛ فلو أن رجلا كسيد رحمه الله تعالى حقق ذلك كله وأبدع فيه كتابةً وتصنيفًا ودعوةً وجهادًا؛ إلا أنه زل بعض الزلات أو وقع في بعض الهنات في أبواب الأسماء والصفات التي اتفق العلماء على عذر المخطئ فيها والمتأول تأويلا تحتمله اللغة، لما نفعه عندهم بموازينهم العرجاء هذه؛ توحيده الذي دعا وكتب ومات من أجله، فسطره بيراعه ومن ثمة بدمائه حتى لقي ربه ..
فأسأل الله تعالى أن يتغمده في رحمته وأن يسكنه في جنته وأن يبقي كتاباته سعدا وقرة عين لكل موحد، وشوكا وشجا في حلوق الطواغيت، وغصة في صدور كل من يجادل عنهم.
هذا وقد كنت بعثت بنسخة من هذه الأوراق للشيخ عبد الله الدويش رحمه الله فعلق على هامشها تعليقات معدودة ما زالت محتفظا بصورتها بخط يده رحمه الله، ثم قابلته بعد