الصفحة 141 من 173

وقد سمعنا أصحابنا يَحْكُونَ عن ابن القاسم - رحمه الله - أنَّه كانَ لا يُجيزُ بيعَ كُتُبِ الرَّأي، فسُئِلَ عن ذلك؛ فأخبرَ أنَّه لا يدري أحقٌّ هو أم باطلٌ. وأجازَ بيعَ المصاحفِ وكُتُبِ الحديثِ، لأنَّ الذي فيها حقٌّ⁽١⁾.

فكيفَ يظنُّ جاهلٌ لا يَتَّقي الله - عزَّ وجلَّ - أنَّ مالك بن أنس وابن القاسم يُلزمان النَّاسَ بتقليدهما، وهما يقرَّان أنَّهما لا يعلمان أحقٌّ ما أفتيا برأيهما أم باطل؟ وقد صحَّ ما هو أغلظُ من هذا، وهو أنَّ مالكاً - رضي الله عنه - تمنَّى عند موته أن يُضْرَبَ بكلِّ مسألةٍ أفتى فيها برأيه سَوْطاً⁽٢⁾. وهكذا كان الأئمَّةُ الفضلاء قبل زماننا هذا المدبَّر -

--------------------

= وفهمه. ويظهر بالتَّأمل أن بين كلام ابن راهويه وعبارة ابن حزم فرقاً أساسياً ومهماً،

فكلام إسحاق في تكفير من ردَّ حكم النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو قوله. وهذا - على إطلاقه - حقٌّ

وصوابٌ لا شكَّ فيه. أمَّا عبارة ابن حزم فتوهم إطلاق هذا الحكم في كلِّ من ردَّ

(حديثاً مسنداً صحيحاً) ، وهذا ليس على إطلاقه، بل يقال: إن من ردَّ من حديثه أو

سنَّته ما هو معلوم من الدِّين بالضرورة، أو ردَّ ما هو عالم بكونه حديثه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومقرٌّ

بصحته وثبوته عنه؛ فهذا الذي يكفر. أمَّا من ردَّه من جهة الرواية والإسناد، أو لظنه

أن متنه مخالف لنصوص القرءان أو لأحاديث أخرى أصح منه، أو شيء نحو هذا

مما لا يراد به ردُّ نفس الحكم النبويِّ؛ فهذا لا يكفر. وهذه مسألة مهمة يعظم الشرُّ

بها إن لم تضبط، فقد رأيت بعض الغلاة قد ألف رسالة في تعميم أحكام التكفير

على عباد الله، قال فيها: من ردَّ حديثاً صحيحاً أو حسناً فهو كافر. قلت: على

هذا يكون أغلب أهل الرأي كفَّاراً، والعياذ بالله تعالى!

(١) ذكره المصنِّف في «الإحكام» ٣٢٧/٦.

(٢) رواه الحميديُّ في «جذوة المقتبس» ٥٥٢/٢ عن ابن حزم، قال: حدَّثنا (عبدالرحمن بن سلمة) الكنانيُّ، قال: أخبرنا أحمد بن خليل، قال: حدَّثنا خالد بن سعد، قال: سمعتُ محمَّد بن عمر بن لُبابة، يقولُ: أخبرني أبو خالد مالكُ بنُ عليٍّ القُرشي - وكان محمد بن عمر بن لبابة يذكر فضلَه، ويقدِّمه على جميع من رأى من أهل العلم في الاجتهاد والعبادة - قالَ: أخبرنا القَعْنَبِيُّ، قال: دخلتُ على مالك بن أنس في مرضِهِ الذي مات فيه، فسلَّمتُ عليه، ثُمَّ جلستُ فرأيتُهُ يبكي، فقلتُ: يا أبا عبدالله! ما الذي يُبكيكَ؟ قالَ: يا ابنَ قَعْنَبٍ! وما لي لا أبكي، ومن أحقُّ بالبكاء منِّي؟! والله لَوَدِدْتُ أنِّي ضُرِبتُ لكلِّ مسألةٍ أفتيتُ فيها برأي بسوطٍ سوطٍ. وقد كانت لي السَّعة فيما سُبقتُ إليه، وليتني لم أُفْتِ بالرأي. أو كما قال.=

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت