الصفحة 142 من 173

رضي الله عنهم وعن الباقين، وَفَاءً بالجميع إلى طاعته - ووالله! لقد خَذَلَ الله - عزَّ وجلَّ - أمةً تَدِينُ بشيءٍ تمنى قائله أن يُضْرَبَ بالسِّياط ولا يقولَه.

وأمَّا ما ذكرتم مِنْ أمرِ قارىءِ هذه العلوم إن حَضَرَ بباله عند⁽١⁾ الاشتغال بها حُبُّ الرئاسة في الدُّنيا وطلب الظُّهور، وكيفَ إن كانَ مُعْظَمُ نِيَّته هذا المعنى. فهذا مذهبُ سوءٍ. صَحَّ عن النبيِّ أنَّه قال: «من تَعَلَّمَ عِلْماً مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ الله لا يَتَعَلَّمُهُ إلا لِيُصِيبَ به عَرَضاً مِنَ الدُّنْيَا؛ لم يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يومَ القيامة»⁽٢⁾. والحديثُ الصَّحيحُ الذي رويناه عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفيه أنَّه: «يُؤْتَى يومَ القيامةِ برَجُل تَعَلَّمَ العِلْمَ وعَلَّمَهُ وقرأ القرآنَ، فأُتِيَ به فعرَّفَهُ الله نِعَمَهُ فعرَفَها، قالَ: فما عملتَ فيها؟ قالَ: تعلَّمْتُ العِلْمَ وعَلَّمْتُه، وقرأتُ فيك القرآن، قالَ: كَذَبْتَ، ولكنَّكَ تعلَّمْتُ العِلْمَ ليُقالَ عالمٌ، وقرأتُ القرآنَ ليُقالَ قارىءٌ، وقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ به فَسُحِبَ على وَجْهِهِ حتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ»⁽٣⁾، والحديثُ الصَّحيح عن النبيِّ أنَّه قالَ: «إنَّ الله - تعالى - قالَ: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فيه غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»⁽٤⁾.

وفيما ناولني حُمامُ بن أحمد، وأخبرني أنَّه أخبرَهُ العبَّاسُ بن أصبغ،

--------------------

= قلتُ: وإسناده صحيحٌ، ورواه الضَّبِّيُّ في «بغية الملتمس» ٦١٧/٢ من طريق شريح بن

محمد، عن ابن حزم به. وذكره الذَّهبيُّ في ترجمة الإمام عبدالله بن مَسْلَمَة القَعْنَبِيِّ

(ت: ٢٢١هـ) ؛ من «سير أعلام النبلاء» ٢٦٤/١٠ (٦٨) مختصراً، ولفظه: يا ابن

قَعْنَبٍ! على ما فَرَطَ منِّي، لَيْتَنِي جُلدتُ بكلِّ كلمةٍ تكلَّمتُ بها في هذا الأمرِ بسَوْطٍ،

ولم يكنْ فَرَطَ منِّي ما فَرَطَ من هذا الرأي، وهذه المسائلُ قد كانَ لي سَعَةٌ فيما سُبِقْتُ

إليه.

(١) ص: (هذا) .

(٢) صحيح: رواه أحمد ٣٣٨/٢ (٨٤٥٧) ، وأبو داود (٣٦٦٤) ، وابن ماجة (٢٥٢) ، وابن حبان (٧٨) ؛ من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. و (عَرْف الجنة) : ريحها.

(٣) رواه مسلم (١٩٠٥) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

(٤) رواه مسلم (٢٩٨٥) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت