الصفحة 144 من 173

الصَّلاةِ والصِّيامِ والصَّدقةِ، ولا تشوَّفوا في شيءٍ منه قَصْداً لغيرِ وَجْهِ الله - تعالى -؛ فَوَالَّذي لا إله إلا هو إِنَّ مَنْ طَلَبَ عِلْماً مِنْ علوم الدِّيانة لِيُدْرِكَ به عَرَضَ دنيا، أو ذِكْراً في النَّاسِ، أو عَمِلَ عملاً مِمَّا أمَرَهُ الله - تعالى - بعَمَلِه له فعمله هو لغيره - تعالى -، لقد كانَ أحظى له في ءاخرته، وأسلمَ في عاقبته، وأنجى له عند ربِّه - تعالى - أن يكونَ دَفَّافاً أو بهزريّاً⁽١⁾. ووالله! لأنْ يلقى اللهَ - تعالى - عبدٌ بكلِّ بائقةٍ⁽٢⁾ دونَ الشِّرْكِ - لا أخصُّ مِنْ ذلكَ قتلَ النَّفْسِ ولا قَطْعَ الطَّريقِ ولا ما دونهما -؛ أخفُّ وِزْراً مِنْ أن يلقاه وقد تَدَيَّنَ لغيره وصلَّى وصامَ لِسِواه.

واعلموا - رَحِمَكُم الله - أَنَّ مَنْ تعمَّدَ اللَّهْوَ واللَّعِبَ حتَّى مضى وقتُ صلاةٍ مفروضةٍ ولم يُصَلِّها؛ أخفُّ ذَنْباً عند الله - تعالى - مِمَّنْ صَلاَّها لأجل النَّاسِ، ولولاهم ما صلاَّها، لأنَّ كلَّ إنسانٍ مِنَ الذين ذكرنا لم يصلِّ الصَّلاةَ التي أُمِرَ بها، وزادَ هذا الآخِرُ على الأوَّلِ أنْ صلاَّها لغير الله - تعالى -؛ وكذلك مَنْ طلبَ العِلْمَ لغير الله - تعالى -، فإنَّه تركَ الاشتغالَ بما يُصْلِحُهُ في دنياه، وبما يَرُوحُ به نَفْسُهُ مِنَ البطالة، وأتعبَ نَفْسَهُ في أفضل الأعمال، فقَصَدَ به التَّقَرُّبَ إلى النَّاسِ فوَكَلَهُ الله إلى مَنْ قَصَدَهُ، وقال عليه السَّلام: «إِنَّما الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِىءٍ ما نَوَى، فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ فَهجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»؛ أو كما قالَ - عليه [السَّلام] ⁽٣⁾ -. فالجِدَّ الجِدَّ! فإنَّ لإبليسَ اللَّعين هاهنا مَسْلكاً خَفِيّاً، ومَدَبّاً⁽٤⁾ لَطيفاً، ومَوْلجاً

--------------------

(١) كذا وردت في ص، وقال ع: لعلها: بيزريا، أو هنزمريا، وهو الذي يحيي الهنزمر، وهو عيد من أعياد العجم. قلت: هذا بعيد، إذ يظهر من السياق أنه يقصد حرفة أو عملاً حقيراً يكون بعيداً عن الشهرة والرياء، والله أعلم.

(٢) ص: (نافقة) .

(٣) رواه البخاريُّ (١) ، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. وتقدَّم ذكر بعضه.

(٤) ص: (وديناً) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت