الصفحة 145 من 173

دقيقاً؛ يُحْبِطُ به الأعمال، ويُهْلِكُ به الرِّجالَ، أجارنا الله وإيَّاكم مِنْ كَيْدِهِ وبَغْيِهِ، ولا وَكَلَنا إلى أَنْفُسِنا طَرْفَةَ عَيْنٍ فَنَهْلَكَ.

وأنا أُرِيكُم - إن شاء الله تعالى، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله - مَيْلَقاً⁽١⁾ يَعْرِفُ به كلُّ واحد منكم وغيركم مِمَّن يقرأ كتابي هذا، إن كانتْ نِيَّتُهُ صادقةً لله - عزَّ وجلَّ - أو مَشُوبةً بقصدٍ⁽٢⁾ إلى غيره، وذلك أن يُفَكِّر المرءُ في نفسه فيما يعملُ من طلب عِلْمٍ أو فعلِ بِرٍّ فيقولُ لها: يا نَفْسُ! أرأيتِ لو أنَّ مَن يراني، أو يَبْلُغُه خبري مِن النَّاسِ يكونُ طريقتهم في العلم، وفي طَلَبِهِ، وفي عملهم؛ على خلافِ ما هم عليه كانوا يَكْرَهُون هذا الوجه من طَلَبي لما أطلبُ، ولا يَسْتَحْسِنُونَ ما أفعل من البِرِّ، أكنتِ تَفْعَلِينَهُ أم لا؟ فإن عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ أنَّها كانتْ تَفْعَلُ ذلكَ، سَخِطَ النَّاسُ أم رَضُوا، نَفَقَ عندهم أو كَسَدَ؛ فليَحْمَدْ ربَّه - تعالى - ولْيُبْشِرْ؛ فإنَّ عَمَلَهُ وطَلَبَهُ خالصٌ⁽٣⁾. وإنْ وَجَدَ نفسه تُخْبِرُهُ أنَّ النَّاسَ لو كرهوا ما يَطْلُبُ وما يَعْمَلُ لم يَطْلُبْهُ ولم يَعْمَلْهُ، فَلْيَعْلَمْ أنَّه هَلَكَ، وأنَّ عمله وتعبهُ عليه لا لَهُ، وأنه قد خَسِرَتْ صَفْقَتُهُ، وأنَّه قد أشْرَكَ في نِيَّتِهِ وعَمَلِهِ غير رَبِّه - تعالى -، إذْ قَرَنَ⁽٤⁾ به النَّاسَ، فَمَنْ أضيعُ⁽٥⁾ عملاً أو أسوأ مُنْقَلباً مِنْ هذا؟ نعوذُ بالله مِنْ هذه المرتبة، ونسأله التوفيقَ مِنْ هذا.

وليتَ شِعْري! على ماذا يُحَصِّلُ المسكينُ الذي يطلبُ العلمَ ليَحْظى⁽٦⁾ به في دنياه؟ والله لا حَصَّلَ من ذلكَ إلا⁽٧⁾ على دُنْيا مُنَغَّصَةٍ، ولباسٍ خَشِنٍ، ولذَّاتٍ يَسْتَتِرُ بها استتارَ الغُرابِ بسَفادِهِ ولا

--------------------

(١) ص: (ميدقاً) . والميلق: أداة يملس بها الذَّهب، أو لعلَّه يختبر به، وهذا هو المقصود هنا. (ع) .

(٢) ص: (لقصد) .

(٣) ص: (خالصا) . ويمكن أن تقرأ: (فإنَّ عمله وطلبه [كانَ] خالصاً) .

(٤) ص: (أفرد) .

(٥) ص: (أطيع) .

(٦) ص: (ليحضا) .

(٧) ص: (إلى) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت