فهرس الكتاب
......................
--------------------
= (السلمي، توفي ١٢٣هـ) : لقد طلبنا العلم وما لنا فيه تلك النية ثم رزق الله فيه بعدُ.
قال مندل: يقول: رزق الله بعدُ البصرَ. يقول: كُنَّا أحداثاً.
قلت: فهذه النصوص - وغيرها كثير - كافية في معرفة صحة هذا القول عن كبار الأئمة
من السَّلف، ويتَّضح من خلالها مقصودهم منها، وهو أن المبتدئ بطلب العلم لا
يعرف حقيقة استحضار النية وتجريدها، والعلم يدلُّه على ذلك تفصيلاً، فيجدِّدُ النية،
أو يصححها، أو يستحضرها، ويندم على ما فرَّط. قال الإمام الذهبيُّ - تعليقاً على
قول معمر المتقدِّم -: قلت: نعم! يطلبه أولاً والحامل له حبُّ العلم، وحبُّ إزالة
الجهل عنه، وحب الوظائف، ونحو ذلك، ولم يكن عَلِمَ وجوبَ الإخلاص فيه، ولا
صِدْق النية، فإذا علم حاسب نفسه، وخاف من وَبال قصده، فتجيئه النِّيَّة الصَّالحة -
كلُّها أو بعضها - وقد يتوب من نيته الفاسدة ويندم، وعلامة ذلك أنَّه يُقَصِّرُ من
الدَّعاوى وحبِّ المنا
أثناء الطَّريق؛ كما قال مجاهد - وغيره -: طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبيرُ نيةٍ، ثم
رزق الله النية بعدُ. وبعضهم يقول: طلبنا هذا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله.
فهذا - أيضاً - حَسَنٌ، ثم نشروه بنيَّةٍ صالحةٍ. وقوم طلبوه بنيةٍ فاسدةٍ لأجل الدُّنيا،
ولِيُثْنَى عليهم، فلهم ما نَوَوْا. وترى هذا الضَّرب لم يستضيؤوا بنور العلم، ولا لهم
وقعٌ في النُّفوس، ولا لعلمهم كبيرُ نتيجةٍ من العمل، وإِنَّما العالم مَنْ يخشى الله -
تعالى -. وقوم نالُوا العلم، وولوا به المناصب؛ فظلموا، وتركوا التَّقَيُّدَ بالعلم، وركبوا
الكبائر والفواحش، فتباً لهم فما هؤلاء بعلماء. وبعضهم لم يتَّقِ الله في علمه، بل
ركب الحِيَلَ، وأفتى بالرُّخَصِ، وروى الشَّاذَّ من الأخبار. وبعضهم اجترأ على الله،
ووضع الأحاديث؛ فهَتَكَهُ الله، وذهب علمه، وصار زاده إلى النَّار. وهؤلاء الأقسام -
كلُّهم - رَوَوْا من العلم شيئاً كبيراً، وتضلَّعُوا منه في الجملة، فخَلَفَ من بعدهم خلفٌ
بأنَّ نقصهم في العلم والعمل، وتلاهم قوم انتموا إلى العلم في الظَّاهر، ولم يُتْقِنُوا منه
سوى نزرٍ يسيرٍ؛ أوهموا به أنَّهم علماء فضلاء، ولم يَدُرْ في أذهانهم قطُّ أنَّهم يتقرَّبون
به إلى الله، لأنهم ما رأوا شيخاً يُقتدى به في العلم، فصاروا همجاً رعاعاً، غاية
المدرِّس منهم أن يحصِّلَ كتباً مثمنةً، يخزنها، وينظر فيها يوماً ما؛ فيُصَحِّفُ ما يورده،
ولا يُقَرِّرُهُ، فنسأل الله النَّجاة والعفو، كما قال بعضهم: ما أنا عالمٌ، ولا رأيتُ عالماً.