فهرس الكتاب
فَلَعَمْرِي! إن جديراً أَلَّا يُبارَكَ - تعالى⁽١⁾ - في كلِّ شيءٍ ابتدأ لغيرِ وَجْهِهِ - عزَّ وجلَّ -، وحَسْبُنا الله، ونِعْمَ الوكيل.
وأمَّا إن نوى في عَمَلِهِ أن يَأْمُرَ بمعروفٍ وينهى عن مُنكرٍ، ويَحْكُمَ بالعدل إن وَلِيَ شيئاً مِنْ أمور المسلمينَ، وأن يُظهِرَ في ذلك الحقَّ ما أمْكَنَهُ، رَضِيَ النَّاسُ أم سَخِطوا، وأحبَّ مع ذلك أن لا يُذَلَّ ويُكْرَمَ، وكانت نِيَّتُه أن لا تأخُذَه في الله لومةُ لائم إن ءاتاه الله حَظّاً مِنَ الدُّنيا، وسَرَّهُ أن يؤتى مالاً حلالاً لا يأكله بِخِلافه، ولا يُكْتَسِبُهُ بدينه، ولم يترك لذلك أمراً يعتقده حَقّاً، ولا استعمل لأجل رَغْبَتِهِ فيما ذكرنا أمراً يراهُ باطلاً؛ فهذه نِيَّةٌ خيرٍ، ومَقْصِدٌ حَسَنٌ، ومذهبٌ فاضلٌ كانت عليه الصَّحابةُ والتَّابعونَ وأئمَّة الخير. وقد قال رسولُ الله [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] : «المُؤْمِنُ القَوِيُّ أَحَبُّ إلى الله - تعالى - مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» ⁽٢⁾. وقد أثنى الله - تعالى - على: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الحج: ٤١] ، والدَّلائلُ على كلِّ ما قلنا مِنَ القرءان والحديث تَكْثُرُ جِدّاً، وفيما ذكرنا كفاية، إن شاء الله - تعالى -.
⁂ ⁂ ⁂
٤ - وأمَّا ما سألتم عنه مِنْ أيِّ الأمورِ أفضلُ في النَّوافل: الصَّلاةُ، أم الصِّيام، أم الصدقة؟
فقد جاءتِ الرَّغائِبُ في كلِّ ذلك، وكلُّها فِعْلٌ حَسَنٌ، وما أحبُّ للمؤمنِ أن يَخْلُوَ مِنْ أن يضربَ في هذه الثَّلاثِ بنصيبٍ ولو بما قَلَّ، إلا أنَّ الصَّدقةَ الجارية في الثِّمار في الأرضينَ أحبُّ إليَّ من الصَّلاة والصَّوم في التَّنَفُّل. وقد روينا عن ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - أنَّه قالَ: إذا صُمْتُ
--------------------
(١) ص: (تبارك وتعالى) .
(٢) رواه مسلم (٣٦٦٤) عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، ونصُّه بتمامه: «المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ. فَإِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ».