فهرس الكتاب
فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ؛ وذلك أضْعَفُ الإيمانِ⁽١⁾. وجاءَ في بعضِ الأحاديثِ: «لَيْسَ وراءَ ذلكَ مِنَ الإيمانِ شَيْءٌ»⁽٢⁾؛ أو كما قالَ - عليه السَّلام -. وجاءَ في الأثرِ الصَّحيحِ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَتَأْمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أو لَيَعُمَّنَّكُمُ اللَّهُ بعذابٍ»⁽٣⁾. واعلموا - رَحِمَكُم الله! - أنَّه لا عذابَ أشدُّ من الفتنة في الدِّين، قالَ الله - تعالى -: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] ، فأمَّا الغَرَضُ الذي لا يَسَعُ أحداً فيه تَقِيَّةٌ؛ فأن لا يُعِينَ ظالماً بِيَدِهِ ولا بلسانه، ولا أنْ يُزَيِّنَ له فِعْلَهُ ويصوِّبَ شَرَّه، ويُعاديهم بنِيَّتِهِ ولسانه عند مَنْ يأمَنُهُ على نفسه، فإنِ اضطرَّ إلى دخول مجلس أحدهم لضرورة حاجة، أو لدَفْعِ مظلمةٍ عن نفسه أو عن مسلم، أو لإظهار حَقٍّ يرجو إظهاره، أو الانتصافِ من ظالمٍ
--------------------
(١) رواه مسلم (٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -.
(٢) ورد هذا في حديث عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ في أُمَّةٍ قَبْلِي إلا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ». رواه مسلم (٥٠) .
(٣) لم أجده بهذا اللَّفْظِ، لكن روى الإمام أحمد (١) ، (٢٩) ، (٣٠) ، (٥٣) ، وأبو داود (٤٣٣٨) ، وابن ماجه (٤٠٠٥) ، وابن حبان (٣٠٤) بإسنادٍ صحيح؛ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رضي الله عنه - أَنَّهُ خَطَبَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ، وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَا وَضَعَهَا اللَّهُ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡ﴾ [المائدة: ١٠٥] ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ بَيْنَهُمْ، فَلَمْ يُنْكِرُوهُ؛ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ» . وخرَّجه الألبانيُّ في «الصحيحة» (١٥٦٤) . وروى أحمد ٥/ ٣٨٨، ٣٩١ (٢٣٣٠١) ، (٢٣٣٢٧) ، والترمذي (٢١٦٩) عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ؛ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ؛ فَلا يُسْتَجَابُ لَكُمْ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وحسَّنه الألباني في «صحيح الجامع» (٧٠٧٠) .