الصفحة 153 من 173

ءاخر؛ كما قالَ - تعالى -: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ۝١٢٩﴾ [الأنعام: ١٢٩] أو لِصَداقةٍ سَالِفَةٍ - فقد يُصادِقُ الإنسانُ المسلم اليهوديَّ والنَّصرانيَّ لمعرفةٍ تقدَّمتْ - أو لطلبِ يعانيه، أو لبعضِ ما شاء الله - عزَّ وجلَّ -؛ فلا يُزَيِّنُ له شيئاً مِنْ أمرِهِ، ولا يُعينُهُ، ولا يَمْدَحُهُ على ما لا يجوز، وإن أمكنه وَعْظُهُ فَلْيَعِظْهُ، وإلا فليقصدْ إلى ما له قصدٌ غيرَ مُصَوِّبٍ له شيئاً من معاصيه، فإن فعلَ فهو مثله، قال الله - تعالى -: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] . وفي هذا كفايةٌ.

⁂ ⁂ ⁂

٧ - وأمَّا ما سألتم عنه من وجه السَّلامة في المطعم والملبس والمكسب:

فهيهاتَ - أيها الإخوة! - إنَّ هذا لَمِنْ أصعبِ ما بَحَثْتُمْ عنه، وأوجعه للقلوب، وعالمه للنُّفُوسِ.

وجوابكم في هذا أنَّ الطَّريقَ هاهنا طريقان:

طريق الورع، فمن سلكه فالأمرُ - والله! - ضَيِّقٌ حَرِجٌ. وبرهانُ ذلك أنَّي لا أعلمُ - لا أنا ولا غيري - بالأندلس دِرْهَماً حلالاً، ولا ديناراً طَيِّباً يُقْطَعُ على أنَّه حلالٌ، حاشا ما يُسْتَخْرَجُ من وادي لاردة⁽١⁾ مِنْ ذَهَبٍ، فإنَّ الذي يَنْزِلُ منه في أيديهم - يعني أيدي المُسْتَخْرِجينَ له - بعدَ ما يُؤخذ منهم ظلماً؛ فهو كماء النَّهر في الحِلِّ والطِّيب، حتَّى إذا ضُرِبَتِ الدَّراهم، وسُبِكَتِ الدَّنانيرُ؛ فاعلموا أنَّها تقعُ في أيدي الرَّعِيَّةِ فيما يبتغونه مِنَ النَّاس من الأقْواتِ التي لا تُؤْخَذُ إلا منهم، ولا توجد إلا عندهم من الدَّقيق، والقَمْح، والشَّعير، والفُول، والحِمَّص، والعدس، واللُّوبيا، والزَّيت،

--------------------

(١) تقع لاردة (Lerida) شرقي مدينة وشقة على نهر يخرج من أرض جليقية، وهو النهر الذي تلقط منه برادة الذهب الخالص، واسم النهر شيقر (Segar) . «الروض المعطار» لمحمد بن عبد المنعم الحميري، ص: ٥٠٧.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت