الصفحة 154 من 173

والزَّيْتُونِ، والمِلْحِ، والتِّينِ، والزَّبِيبِ، والخَلِّ، وأنواعِ الفواكهِ، والكَتَّانِ، والقُطْنِ، والصُّوفِ، والغَنَمِ، والألبانِ، والجُبْنِ، والسَّمْنِ، والزُّبْدِ، والعُشْبِ، والحَطَبِ. فهذه الأشياءُ لا بدَّ من ابتياعِها من الرَّعِيَّةِ عُمَّارِ الأرضِ وفَلَّاحِيها ضرورةً. فما هو إلا أن يقعَ الدِّرهمُ في أيديهم؛ فما يَسْتَقِرُّ حتَّى يُؤَدُّوهُ بالعُنْفِ ظلماً وعدواناً بقطيعٍ⁽١⁾ مضروبٍ على جماجمهم كجزيةِ اليهودِ والنَّصارى، فيحصلُ ذلك المالُ المأخوذُ منهم بغيرِ حقٍّ عند المتغَلِّبِ عليهِم، وقد صار ناراً، فيعطيه لمن اختصَّه لنفسه من الجُنْدِ الذين استَظْهَرَ بهم على تقويةِ أمره، وتمشيةِ دولته، والقمعِ لمن خالفه، والغارةِ على رَعِيَّةِ مَنْ خرج من طاعته، أو رعيَّةِ من دعاه إلى طاعته، فيتضاعفُ حرُّ النَّارِ، فيعامل بها الجندُ التُّجَّارَ والصُّنَّاعَ، فحصلتْ بأيدي التُّجَّارِ عقاربُ وحياتٌ وأفاعي، ويبتاع بها التُّجَّارُ من الرَّعِيَّةِ، فهكذا الدَّنانيرُ والدَّراهمُ كما ترونَ عياناً دواليبُ تَسْتَدِيرُ في نارِ جهنَّمَ، هذا ما لا مَدْفَعَ فيه لأحدٍ، ومن أنكر ما قلنا بلسانه فحسبه قلبه؛ يَعْرِفُهُ معرفةً ضروريةً، كعلمه أنَّ دونَ غدٍ اليومَ. فإذا فاتنا الخلاصُ فلا يفوتنا الاعترافُ والنَّدَمُ والاستغفارُ، ولا نجمع ذنبين: ذنبَ المعصيةِ، وذنبَ استِحلالِها، فيجمعُ الله لنا خِزْيَيْنِ وضِعْفَيْنِ من العذابِ، نعوذُ باللهِ مِنْ ذلك، ولنكن كما قالَ - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۝١٣٥﴾ [آل عمران: ١٣٥] ، هذا مَعَ ما لم نَزَلْ نَسْمَعُهُ⁽٢⁾ سماعَ استفاضةٍ موجبٍ للعِلْمِ الضروريِّ أنَّ الأندلسَ لم تُخَمَّسْ وتقسم؛ كما فَعَلَ رسولُ الله فيما فَتَحَ، ولا استُطِيبَتْ أنفُسُ المستفتحينَ، وأُقِرَّتْ لجميع المسلمين؛ كما فعلَ عمرُ - رضي الله عنه - فيما فَتَحَ⁽٣⁾، لكنْ نُفِّذَ الحكمُ فيها بأنَّ لكلِّ يدٍ ما أخذتْ، ووقعتْ فيها؛ غلبةٌ بعد غلبةٍ، ثم دخلَ البربرُ والأفارقةُ فغَلَبُوا على كثيرٍ من القرى دون

--------------------

(١) القَطِيع - هنا - بمعنى: الضريبة المفروضة، وسيشرحها في ما يلي. (ع) .

(٢) ص: (فنسمع) .

(٣) راجع شرح ذلك في «المحلى» ٣٤١/٧ - ٣٤٥ (٩٥٧) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت