فهرس الكتاب
مِنْ أنْ أدلِّسَ⁽١⁾. وأنا أقولُ: لأنْ يُضْرَبَ عُنُقي، أو أُصْلَبَ، أو يُرْمَى بي وأهلي وولدي؛ أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أقطعَ الطَّريقَ، أو أقتلَ النَّفْسَ التي حَرَّمَ الله بِغَيْرِ الحَقِّ، وأنا أعلمُ أنَّ ذلكَ حرامٌ، [وهذا] أحبُّ إليَّ من أنْ أستحلَّ الاحتجاجَ بحديثٍ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا أعتقدُهُ صحيحاً، أو أن أردَّ حَديثاً صَحِيحاً عنه - عليه السَّلام -، ولم يَصِحَّ نَسْخُهُ بنَصٍّ ءاخرَ، ولا صحَّ عندي تخصيصه بنصٍّ ءاخرَ.
فالكبائرُ تتفاضلُ - كما أخبرتُكُم - تفاضلاً بعيداً، وكذلك العذابُ عليها يتفاضلُ كما تتفاضلُ الحسناتُ ويتفاضلُ الجزاءُ عليها؛ صَحَّ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [أنَّه] قالَ: «إنَّ أهلَ الجنَّةِ يَتَراءَوْنَ مَنْ فَوْقَهُمْ كما تَتَراءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ»⁽٢⁾. وصَحَّ عنه - عليه السَّلام - أنَّه أمَرنا أن نسألَ الله
--------------------
= الْمُغِيرَةِ - رضي الله عنه - قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ كَذِباً عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ
عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». وروى البخاريُّ (١٠٦)
ومسلم (المقدمة: ١) ؛ عن عليٍّ قالَ: قال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تَكْذِبُوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ
عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ».
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في «تقدمة الجرح والتعديل» ص: ١٧٣، والخطيب البغدادي في «الكفاية» ٣٥٦/١. (فائدة) : كلام شعبة - رحمه الله - محمول منه على المبالغة في ذَمِّ التدليس، والتَّنفير منه؛ كما قال الحافظ العلائيُّ في «جامع التحصيل» ص: ٩٨. وسببه أن كثيراً من النَّاس يستعظمون المعاصي العملية الظاهرة أكثر من استعظامهم الانحرافات العقدية والمنهجية، وهذه طبيعة في النَّفس البشرية، إذ أن للجانب المادي المشاهد تأثيراً عجيباً عليها، فأراد شعبة - رحمه الله - التنبيه بما هو مادي مما تنفر منه نفوس المؤمنين كلهم؛ إلى ما معنوي ويمكن أن لا يتنبه كثير منهم إلى خطورته، ومن هذا الباب قول بعض السَّلَفِ: لأن ءَاكُلَ مع اليهوديِّ والنَّصرانيِّ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ من أن ءَاكُلَ مع صاحب بدعة. فقد أراد التَّنبيه إلى ما أشرت إليه، وإلا فإنَّه لا يأكل لا مع اليهودي ولا مع النَّصرانيِّ ولا مع صاحب بدعة. وفهم هذا مهم جداً، فإن كثيراً من الجهلة قد تسوَّروا على تراث السَّلَفِ بأفهامهم السَّقيمة، فوقعوا في الغلظ في التَّصوُّر، والسوء في التصرف، ورُبَّما تجد الواحد منهم يعاشر الكافر، ويحسن معاملته، وينبسط إليه، ويلتقي معه على حظوظ الدنيا؛ فإذا لقي مسلماً واقعاً في بدعة ما - صغيرة أو كبيرة - أساء معاملته، بل جَاهَرَهُ بالعداوة والبغضاء؛ بدل أن يحرص على نصيحته، ودعوته بالتي هي أحسن.
(٢) رواه البخاريُّ (٣٢٥٦) ، ومسلم (٢٨٣٠) من حديث أبي سعيد الخدري.